الرئسيةسياسة

الشاوي: الانتخابات بين التغيير وإعادة الإنتاج

السؤال الذي يضعه عبد القادر الشاوي أمام انتخابات 23 شتنبر ليس: من سيفوز؟ بل ماذا يُراد لهذه الانتخابات أن تُنتج؟

فخلف الضجيج الانتخابي، وكثرة اللوائح والمرشحين، واختلاف الشعارات والبرامج، يرى الشاوي الكاتب والدبلوماسي السابق، في مقال رأي نشره ب”العربي الجديد”، أن السؤال الأعمق يتعلق بطبيعة الخريطة الحزبية نفسها: هل نحن أمام تنافس سياسي فعلي قادر على تغيير موازين القوة، أم أمام إعادة ترتيب للمواقع داخل مجال سياسي تحددت قواعده وحدوده قبل أن تصل الأحزاب إلى صناديق الاقتراع؟

وتكتسب هذه القراءة أهمية إضافية في انتخابات يشارك فيها 28 حزبا، مع تقديم 1850 لائحة تضم 7288 ترشيحا، أي أكثر من 18 ترشيحا لكل مقعد.

لكن كثرة المتنافسين، في حد ذاتها، لا تعني بالضرورة اتساع مساحة الاختيار السياسي.

المشكلة ليست في الصندوق.. بل في ما قبله

ينطلق الشاوي من فكرة مركزية: الخريطة الحزبية المغربية ليست مستقلة عن طبيعة النظام السياسي والقواعد الدستورية والقانونية التي تتحرك داخلها.

فالمجال السياسي الذي نشأ في المغرب الحديث، خصوصا منذ دستور 1996، وضع الأحزاب داخل إطار محدد من القواعد المتعلقة بالدولة والسلطات والحقوق والانتخابات.

ومن ثم، فإن الانتخابات، في قراءة الشاوي، لا تبدأ يوم الاقتراع ولا تنتهي بإعلان النتائج. إنها تبدأ من طريقة تصميم القانون الانتخابي نفسه، ومن تحديد شروط المنافسة، ومن الطريقة التي يجري بها توزيع المقاعد، وصولاً إلى شكل الأغلبية التي ستخرج من البرلمان.

وبهذا المعنى، تصبح المعركة الحقيقية أحياناً معركة على قواعد اللعبة أكثر من كونها معركة داخل اللعبة.

تعددية كثيرة.. واختلاف قليل

هنا يصل الشاوي إلى أكثر خلاصاته إثارة للجدل: لا يرى بين مكونات الطيف الحزبي المغربي فروقا جوهرية بالحجم الذي توحي به أسماؤها وشعاراتها.

الاختلاف، في تقديره، أصبح في كثير من الأحيان اختلافا في الشكل، وفي التسمية، وفي الحضور الإعلامي والتنظيمي، بينما تتشابه الأحزاب في أزماتها الداخلية وفي علاقتها بالسلطة وفي ضعف امتدادها الاجتماعي.

فالانقسامات، حسب هذه القراءة، لم تعد تدور دائما حول مشاريع سياسية متباينة، وإنما حول المواقع وموازين النفوذ والقرب من السلطة أو الابتعاد عنها.

وهكذا تتحول التعددية من تعدد في المشاريع إلى تعدد في الواجهات.

حين يصبح القانون الانتخابي أداة لإعادة ترتيب الخريطة

ويضع الشاوي القاسم الانتخابي ضمن هذه الزاوية من النظر، فالتغيير الذي اعتمد منذ انتخابات 2021 جعل احتساب القاسم مرتبطا بعدد الناخبين المسجلين، وهو ما أثر في طريقة توزيع المقاعد.

وتؤكد المعطيات المرتبطة بالنظام الانتخابي الحالي أن عدد المقاعد، والقاسم، وعدد اللوائح، والفوارق في الأصوات، كلها عوامل قد تجعل التقدم في الأصوات لا يتحول بالضرورة إلى تقدم مماثل في المقاعد.

لكن الشاوي لا يتوقف عند الجانب التقني؛ فهو يقرأ هذا التغيير باعتباره جزءاً من إعادة ترتيب الخريطة السياسية، ويربطه بفكرة أوسع هي إنتاج نوع من التوازن السياسي داخل المجال الحزبي.

أي أن السؤال، في النهاية، ليس فقط: من حصل على الأصوات؟، بل أيضا: كيف صُممت القاعدة التي ستقرر ماذا ستفعل تلك الأصوات؟

أحزاب لا تتحرك إلا عندما تدق ساعة الانتخابات

في نقده للأحزاب، لا يتحدث الشاوي عن أزمة انتخابية عابرة، وإنما عن أزمة بنيوية، فالأحزاب، في نظره، فقدت شيئا من وظائفها الأصلية: التأطير، إنتاج الأفكار، بناء البرامج، تكوين النخب، والارتباط بالمجتمع.

وبدل أن تكون حاضرة في المجتمع طوال السنة، تصبح أكثر نشاطا عندما تقترب الانتخابات.

وهنا تظهر مفارقة أساسية: أحزاب كثيرة تريد أن تمثل المجتمع، لكنها، بحسب الشاوي، لم تعد تمتلك علاقات اجتماعية قوية بما يكفي لكي تعكس تحولات هذا المجتمع.

من المناضل إلى «الزبون الانتخابي»

ويذهب الشاوي في نقده إلى منطقة أكثر حساسية عندما يتحدث عن علاقة بعض النخب الحزبية بالمصالح والامتيازات.

ففي تصوره، تحولت الانتخابات لدى بعض الفاعلين إلى موسم للبحث عن الناخبين، واستعمال الوعود، بل وشراء الأصوات، بدل أن تكون مناسبة للتنافس حول البرامج والخيارات الكبرى.

وهنا تصبح العلاقة بين الحزب والمواطن مهددة بالتحول من علاقة سياسية إلى علاقة مصلحية: مرشح يبحث عن صوت، وناخب يبحث عن منفعة.

والنتيجة، وفق هذه القراءة، أن التمثيل الشعبي يفقد جزءا من معناه، بينما تتحول المؤسسة التشريعية إلى فضاء لا يعكس بالضرورة حجم الصراع الاجتماعي الموجود خارجها.

العدالة والتنمية.. من المعارضة إلى السلطة ثم العودة إلى المعارضة

ويخصص الشاوي حزب العدالة والتنمية بجزء لافت من نقده، إذ في تقديره، كان وصول الحزب إلى رئاسة الحكومة لحظة فاصلة نقلته من موقع المعارضة إلى موقع المشاركة في السلطة، قبل أن يجد نفسه لاحقا خارج الحكومة، فيما عاد أمينه العام عبد الإله بنكيران إلى قيادة الحزب والحملة الانتخابية.

لكن الشاوي يقرأ هذه التجربة باعتبارها نموذجاً لتحول الخطاب عندما ينتقل الحزب من المعارضة إلى السلطة.

وهو يرى أن العدالة والتنمية، مثل أحزاب أخرى سبقته إلى الحكومة، واجه التناقض بين خطاب المعارضة ومتطلبات تدبير السلطة، معتبراً أن التجربة أضعفت الفاصل بين الحزب المعارض والحزب المشارك في الحكم.

ويضع ذلك في سياق تاريخي أوسع يشمل الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، اللذين انتقلا بدورهما من المعارضة إلى المشاركة في السلطة.

اليسار.. حضور داخل اللعبة أم تغيير لقواعدها؟

لكن أكثر أجزاء قراءة الشاوي حدة تتعلق باليسار، فهو لا ينظر إلى مشاركة اليسار في الانتخابات باعتبارها دليلا تلقائيا على اتساع المجال الديمقراطي، بل يطرح سؤالا أكثر قسوة: ماذا يستطيع اليسار أن يغير فعليا من داخل هذا المجال؟

ويعتبر أن محدودية الامتداد الاجتماعي والتنظيمي لليسار جعلت حضوره المؤسساتي أكبر من قدرته على التأثير في موازين القوى الاجتماعية.

ومن هنا يستخدم تعبير «التوازن المقلوب» لوصف وجود الطيف اليساري داخل المجال السياسي الرسمي.

فالتعدد هنا، في قراءته، لا يعني بالضرورة وجود قوة تغيير مقابلة، وإنما قد يؤدي وظيفة إعلامية وسياسية تتمثل في إظهار تعدد داخل المجال القائم، من دون أن يصل ذلك التعدد إلى مستوى إعادة تعريف قواعده.

السؤال المحرج: لماذا كل هذا التعدد إذا كانت النتائج متشابهة؟

هذه هي النقطة التي تعود إليها قراءة الشاوي باستمرار، إذا كانت الأحزاب تعاني الأزمات التنظيمية نفسها، والانقسامات نفسها، وضعف الصلة بالمجتمع نفسه، وإذا كانت الفوارق الإيديولوجية بينها قد تراجعت، فما الذي يبقى من التنافس الحزبي؟

بالنسبة إلى الشاوي، يبقى التنافس على المواقع داخل المجال السياسي.

ومن هنا تصبح الانتخابات آلية لإعادة توزيع المواقع أكثر من كونها آلية لإعادة توزيع السلطة.

23 شتنبر.. تغيير البرلمان أم إعادة ترتيب البيت السياسي؟

لذلك لا يتعامل الشاوي مع انتخابات 23 شتنبر باعتبارها مجرد عملية حسابية لتحديد عدد المقاعد التي سيحصل عليها كل حزب.

إنها، في تصوره، محطة لإعادة ترتيب المشهد السياسي كله، وإعادة توزيع الأدوار بين الأغلبية والمعارضة، وبين الأحزاب القديمة والجديدة، وبين القوى التي تقترب من السلطة وتلك التي تحاول البقاء على مسافة منها.

فالانتخابات قد تغير تركيبة البرلمان، لكنها لا تغير بالضرورة طبيعة العلاقة بين المؤسسات والقوى السياسية.

وهنا يكمن جوهر السؤال.

«مغرب 2030».. هل نحن أمام مرحلة سياسية جديدة؟

في نهاية تحليله، يربط الشاوي الانتخابات بما يسميه الرهان على «مغرب 2030».

ولا يتعلق الأمر، في نظره، بمجرد مشاريع اقتصادية أو استحقاقات دولية، وإنما بإنتاج إطار سياسي قادر على استيعاب المرحلة المقبلة، وضمان الاستقرار، وإعادة ترتيب العلاقة بين السلطة والأحزاب والمجتمع.

ومن هذه الزاوية، تصبح الانتخابات جزءاً من مسار أكبر: إعادة إنتاج الشرعية السياسية داخل القواعد نفسها، ولكن بأدوار ونخب وتوازنات جديدة.

وهكذا يصل الشاوي إلى الخلاصة الأكثر إثارة في قراءته: الانتخابات قد لا تكون معركة حول تغيير قواعد المجال السياسي، بقدر ما تكون معركة حول من سيشغل أي موقع داخله.

وبينما تنشغل الأحزاب بعدد المقاعد، يضع الشاوي سؤالا آخر أمام المشهد كله:

هل تنتج الانتخابات سلطة سياسية جديدة، أم تنتج فقط خريطة جديدة داخل السلطة القائمة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى