الرئسيةرأي/ كرونيك

عودة لغرامشي..حين خسر اليسار العقول قبل الأصوات

(راي يعود الى سنوات مضت...ولكن يعبر عن قناعة راسخة زادتها الاحداث رسوخا) من أجل كتلة تاريخية جديدة إلى الغد يا غرامشي!

 يكاد التشخيص يكون بديهياً، بل صار حقيقة عالمية: اليسار اليوم يتألم، واليسار ليس بخير. إنه وضع يثير استياء المناضلين الذين يتأرجحون بين خيبة الأمل، والاستسلام، والمرارة.

محمد بكريم

بقلم: الكاتب محمد بكريم

على مستوى الأداء الانتخابي وباستثناءات قليلة أحزاب اليسار تعيش تراجعا

أولاً، على مستوى الأداء الانتخابي، وباستثناءات قليلة، تشهد الأحزاب اليسارية الكبرى تراجعاً ملحوظاً. فبعضها، الذي نجح في منتصف القرن الماضي في الاقتراب من ربع الأصوات المعبر عنها، لا يمر اليوم بفترة فقدان زخم فحسب، بل يواجه خطر الاختفاء من المشهد الانتخابي…

فيما اختارت أحزاب أخرى، عقب نكسات سياسية متتالية، التفكك والاندماج مع تيارات أخرى أو التحول إلى كيانات جديدة… ولكن دون جدوى.

لكن الى جانب هذا الإخفاق في المنافسة الديمقراطية، فإن أخطر انتكاسة يعاني منها اليسار تكمن في تراجعه الأيديولوجي والثقافي.

وبنبرة مريرة، اعترف الأمين العام للحزب الاشتراكي الفرنسي، جان كريستوف كامباديليس، في يونيو الماضي خلال المؤتمر الوطني الأخير لحزبه قائلاً: “لم يعد اليسار في وضعية هيمنة ثقافية”. سواء في بلدان الشمال أو بلدان الجنوب، خسر اليسار معركة الأفكار.

التقدم الصاعق لأطروحات اليمين المتطرف

ففي أوروبا، نلحظ التقدم الصاعق لأطروحات اليمين المتطرف، العدوانية، وكارهة الأجانب، والعنصرية صراحةً.

وفي الجنوب، يتجلى انتصار التيارات المحافظة في فوز الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية خلال أولى الاقتراعات الحرة المنظمة في العالم العربي.

أخيراً، هناك نوع من “الفكر الوحيد” الذي جعل من الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق الأفق الوحيد الذي لا يمكن تجاوزه للعمل السياسي. وأي رؤية بديلة أو تحررية باتت تُصنف في خانة الأوهام وتُعتبر مجرد شطحات فكرية.

في هذا السياق، يصدر كتاب يفتح ثغرة في كفن الاستسلام الذي يحول حالة التفكك الأيديولوجي هذه إلى قدر محتوم. يتعلق الأمر بكتاب الباحث السياسي “غايل بروستييه”: “إلى الغد يا غرامشي” (باريس، دار لو سيرف، 2015). أطروحة الكتاب تأتي كرسالة تنبيه؛ فلا حجم العولمة، ولا بروز العنف “الجهادي”، ولا عمق الشرخ الاجتماعي والمجتمعي… تم استشرافه من قبل اليسار، بمختلف تفرعاته: الراديكالية أو الليبرالية الاجتماعية.

بالنسبة للمؤلف، في الوقت الذي كان فيه اليسار يركز على نتائجه الانتخابية، كان اليمين يحتل الميدان الأيديولوجي ويستولي على السلطة الجوهرية: سلطة الأفكار. والنتيجة التي تفرض نفسها منطقياً هي ضرورة إعادة الاعتبار للمفكر الذي وضع نظرية “الهيمنة الثقافية” واعتبرها مقدمة للاستيلاء على السلطة السياسية، وهو أنطونيو غرامشي.

يعتبر غرامشي من الوجوه الفكرية التي لا تكف عن تغذية فكر مناضلي اليسار، رغم أن إسهامه النظري والفكري ظل لفترة طويلة مقصياً من قبل دعاة الدوغمائية، ورغم أنه كان خلال حياته الهدف الرئيسي لقوى الرجعية والفاشية الصاعدة.

اعتُقل عام 1926 وتوفي في السجن. وخلال محاكمته، قال مدعي عام الدولة الفاشية في حقه: “يجب أن نمنع هذا الدماغ من التفكير لمدة عشرين عاماً”.

ما الذي يجعل هذا المثقف أكثر معاصرة من أي وقت مضى؟ أولاً، لكونه لم يتردد في توجيه أداة النقد نحو تجربته الخاصة؛ حيث أجرى مراجعة نقدية لمواقفه السابقة لفهم الوضع الذي كان يحلله بشكل أفضل، والمتمثل في هزيمة الثورة في الغرب.

حيّا غرامشي انتصار الثورة البلشفية، لكنه بدأ في الوقت نفسه تفكيراً حصيفاً حول الطبيعة النوعية للتغيير في سياق الدول الديمقراطية، مسجلاً استقرار الرأسمالية.

وهو درس لا يزال صالحاً لليوم، حيث يتمكن هذا النظام، رغم الأزمات التي تهزه والفظائع التي يولدها، من تجديد نفسه.

بالنسبة لمؤلف “دفاتر السجن”، لا يمكن لأي سيطرة سياسية أن تتحقق دون هيمنة ثقافية.

فجبهة الأفكار لا تقل أهمية عن الجبهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويقدم لنا النموذج المغربي مثالاً بليغاً على ذلك؛ فالنجاحات الانتخابية لحزب العدالة والتنمية (نوفمبر 2011، سبتمبر 2015…) هي الترجمة السياسية لهيمنة ثقافية.

فالإسلاميون يحصدون انتخابياً ثمار حقل تم حرثه مسبقاً عبر عمل سوسيولوجي وثقافي هائل. الهيمنة، كما يعلمنا غرامشي، هي القدرة على خلق عالم من الأفكار والرموز والصور التي يتماهى فيها الشعب مع نفسه.

نجاحات عبد الإله بنكيران ليست نتيجة عمل مستشاري تواصل، فهو لا يحتاج إليهم؛ بل يستمد قوته من المرجعية الثقافية (الدلالية واللفظية) التي يتقاسمها مع جمهوره والتي ينتمي إليها.

وهذا ما دفع المثقف المغربي محمد الكحص للقول إن “حزب العدالة والتنمية قرأ غرامشي!”. في الواقع، مع الإسلاميين، كان الأجدر بمستشاري التواصل والتسويق السياسي التسجيل في “أنابيك” (وكالة التشغيل).

فالشعب لا يوقع أبداً عقداً لا يؤمن به. لفترة طويلة، كان انخراط الشعب نتيجة سيطرة قائمة على القمع (حقبة البصري)، أما اليوم، ولأول مرة، نشهد تمفصل السلطة السياسية مع هيمنة ثقافية.

وبالبقاء ضمن النموذج “الغرامشي”، يمكن الحديث عن التماهي / التلاقي بين المجتمع السياسي بالمجتمع المدني. هذا ما أدركه حزب التقدم والاشتراكية جيداً في تحليله للوضع السياسي لما بعد 2011. باختياره التحالف مع حزب العدالة والتنمية، فإنه يساهم في تهيئة الظروف لتقارب النظام السوسيو-سياسي مع التمثلات الجماعية المعبر عنها ديمقراطياً.

وبذلك، يعمل حزب التقدم والاشتراكية على بروز “الكتلة التاريخية”، التي ليست سوى “انخراط طبقات اجتماعية مختلفة في مشروع سياسي يستجيب لمستوى معين من تطور المجتمع”.

ومن خلال هذا المسعى، يطمح الحزب إلى إقناع المكونات الأخرى لليسار بأن مصلحتها تكمن في العودة إلى “الحس المشترك” للناس، وعبر التفاوض على تسوية تاريخية واسعة مع حزب العدالة والتنمية.

وفي هذا الطريق، يظل حزب التقدم والاشتراكية مسترشداً بمبدأ آخر لغرامشي: تشاؤم العقل، وتفاؤل الإرادة!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى