
في عالم باتت فيه الرياضة إحدى أكثر أدوات القوة الناعمة تأثيرا، لم يعد نهائي كأس العالم مجرد حدث كروي ينتهي بإطلاق صافرة الحكم، بل أصبح مناسبة تعكس تحولات أوسع تتصل بالسياسة والهوية والرأي العام.
المواجهة المرتقبة بين الأرجنتين وإسبانيا على ملعب “ميتلايف” لا تحمل فقط رهان التتويج بالنجمة العالمية، بل تأتي في لحظة دولية شديدة الحساسية، حيث تلقي الحرب في غزة بظلالها على مختلف الفضاءات العامة، بما فيها ملاعب كرة القدم.
ورغم أن المنتخبين لا يمثلان مواقف سياسية رسمية، فإن الظروف المحيطة بهما جعلت النهائي يُقرأ لدى كثيرين باعتباره امتدادا، ولو بصورة غير مباشرة، للنقاش الدائر حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
الأرجنتين… عندما تسبق السياسة المنتخب
منذ انتخاب خافيير ميلي رئيسا للأرجنتين، شهدت العلاقات مع إسرائيل تحولا لافتا، اتسم بخطاب سياسي أكثر تقاربا مقارنة بما كان سائدا في العقود الماضية.
الرئيس الأرجنتيني لم يخف دعمه للحكومة الإسرائيلية، وأعلن في أكثر من مناسبة عزمه تعميق الشراكة بين البلدين، كما أثار حديثه عن نقل السفارة الأرجنتينية إلى القدس ردود فعل دولية واسعة، باعتبار المدينة إحدى أكثر قضايا الشرق الأوسط حساسية.
ومع بلوغ المنتخب الأرجنتيني المباراة النهائية، عاد هذا التقارب إلى الواجهة، بعدما أهدى السفير الأرجنتيني في إسرائيل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قميص المنتخب الوطني، في لقاء حمل دلالات تجاوزت الطابع البروتوكولي.
وخلال الاتصال الذي جمع نتنياهو بالرئيس ميلي، لم يقتصر الحديث على كرة القدم، بل بدا واضحا أن العلاقات السياسية بين البلدين أصبحت جزءا من المشهد المحيط بالنهائي، وهو ما دفع قطاعات من الرأي العام إلى ربط تشجيع المنتخب الأرجنتيني بمواقف الحكومة الحالية.
غير أن هذا الربط لا يعكس بالضرورة المجتمع الأرجنتيني، الذي يتميز بتعدد تياراته السياسية وبتعايش واحدة من أكبر الجاليات اليهودية في العالم إلى جانب جالية عربية مؤثرة، ما يجعل المواقف من القضية الفلسطينية والإسرائيلية أكثر تنوعا وتعقيدا من الخطاب الرسمي.
ميسي… نجم يحاول البقاء خارج الاستقطاب
وسط هذا المشهد، يجد ليونيل ميسي نفسه مرة أخرى أمام معادلة معقدة.
فاللاعب الأكثر شهرة في العالم بنى صورته على الابتعاد عن الاصطفافات السياسية، مفضلا أن يتحدث بقدميه أكثر مما يتحدث بالتصريحات.
ورغم ذلك، فإن شهرته الاستثنائية جعلته عرضة لتأويلات لا تتوقف، سواء بسبب زيارته السابقة لإسرائيل والضفة الغربية مع برشلونة، أو ارتباطه بشركات إسرائيلية في إطار عقود تجارية.
لكن، وعلى خلاف كثير من الرياضيين، لم يصدر عن ميسي موقف سياسي معلن تجاه الصراع، وهو ما جعل صورته لدى ملايين المشجعين في العالم العربي مرتبطة بإنجازاته الرياضية أكثر من ارتباطها بأي اصطفاف سياسي.
إسبانيا… منتخب يحمل إرث حكومة لا يمثلها
في الضفة الأخرى، تبدو الصورة مختلفة.
فإسبانيا أصبحت خلال العامين الماضيين إحدى أكثر الدول الأوروبية انتقادا للسياسات الإسرائيلية، خاصة بعد اعتراف حكومة بيدرو سانشيز بالدولة الفلسطينية، وما تلاه من مواقف دبلوماسية وضعت مدريد في مواجهة سياسية مع تل أبيب.
ورغم أن المنتخب الإسباني لا يعبر عن مواقف الحكومة، فإن المناخ السياسي المحيط بالبلاد جعل بعض الجماهير تنظر إليه باعتباره امتدادا رمزيا لذلك التوجه، وهو ما يعكس حجم التداخل المتزايد بين الرياضة والسياسة في الوعي الجماعي.
لامين جمال… موهبة تتحول إلى رمز
ربما لا يوجد لاعب يجسد هذا التداخل أكثر من لامين جمال.
النجم الشاب، المنحدر من أصول مغربية، تحول في سنوات قليلة إلى أحد أبرز وجوه كرة القدم العالمية، لكنه وجد نفسه أيضا في قلب نقاشات تتعلق بالهوية والهجرة والانتماء.
وزادت صوره وهو يحمل العلم الفلسطيني في مناسبات سابقة من هذا الجدل، لتصبح تصرفاته خارج الملعب مادة للنقاش بقدر ما أصبحت لمساته داخله محل إعجاب.
وبالنسبة إلى كثيرين، بات لامين جمال يمثل جيلا أوروبيا جديدا متعدد الهويات، يصعب فصله عن الأسئلة الثقافية والسياسية التي تعيشها القارة.
كرة القدم… مرآة للعالم
ليست هذه المرة الأولى التي تتقاطع فيها كرة القدم مع السياسة، لكنها ربما واحدة من أكثر اللحظات وضوحا.
ففي العقود الأخيرة، تحولت البطولات الكبرى إلى منصات تعكس التوترات الدولية، من قضايا العنصرية والهجرة، إلى الحروب وحقوق الإنسان، وصولا إلى النزاعات الجيوسياسية.
ولهذا، فإن نهائي مونديال 2026 لن يُختزل في نتيجة المباراة أو هوية البطل، بل سيبقى أيضا مثالا جديدا على قدرة كرة القدم على استيعاب تناقضات العالم وإعادة إنتاجها داخل أكثر الأحداث الرياضية متابعة على وجه الأرض.
أكثر من تسعين دقيقة
عندما يطلق الحكم صافرة البداية مساء الأحد، ستنشغل أنظار الملايين بما سيقدمه ميسي ولامين جمال ورفاقهما فوق أرضية الملعب.
لكن، بعيدا عن الأهداف والكؤوس، سيؤكد هذا النهائي مرة أخرى حقيقة أصبحت راسخة في الرياضة الحديثة: أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة، بل فضاء تتقاطع فيه السياسة والدبلوماسية والهوية والثقافة، حيث تصبح كل مباراة كبرى رواية عن العالم بقدر ما هي منافسة على لقب.




