الرئسيةسياسة

البيجيدي: إصلاح التعليم أم إعادة تدوير الوعود؟

البيجيدي والتعليم..وعود انتخابية بذاكرة حكومية ثقيلة

يعود حزب العدالة والتنمية إلى ملف التعليم من بوابة الانتخابات، حاملاً مقترحات تبدو جذابة في ظاهرها: إلغاء سقف 35 سنة في مباريات التوظيف، ومراجعة شروط الولوج، وإصلاح التعليم الأولي، وإعادة ترتيب السياسة اللغوية، وتوحيد المدرسة العمومية؛ لكن البرنامج يصطدم منذ سطوره الأولى بسؤال سياسي أكثر إحراجاً: ماذا فعل الحزب عندما كان يملك مفاتيح القرار؟ فليس من الإنصاف اختزال أزمة التعليم كلها في حزب واحد، لكن من الصعب أيضاً إعفاء من قاد الحكومة عقداً كاملاً من مسؤولية حصيلة خياراته.

بن كيران

من التعاقد إلى أزمة الثقة

قاد العدالة والتنمية الحكومة لعشر سنوات، من 2011 إلى 2021، وخلال تلك الفترة دخل قطاع التعليم واحدة من أكثر أزماته الاجتماعية حساسية، خصوصاً مع إطلاق التوظيف بالتعاقد سنة 2016، ثم توسيعه خلال حكومة سعد الدين العثماني. ففي 2016 أعلنت وزارة التربية الوطنية توظيف 11 ألف أستاذ بموجب عقود لدى الأكاديميات الجهوية، قبل أن يتوسع المسار لاحقاً، ولم يكن الملف مجرد تقنية إدارية، بل تحول إلى أزمة ثقة واحتجاجات امتدت لسنوات، لذلك، حين يتحدث الحزب اليوم عن الاستقرار المهني، يصعب فصل المقترح عن الذاكرة السياسية لهذه المرحلة.

إلغاء سن 35.. تصحيح متأخر؟

قد يفتح إلغاء سقف 35 سنة الباب أمام آلاف الشباب الذين أقصتهم قاعدة السن، كما أن مراجعة الانتقاء القبلي تستحق النقاش، لكن معالجة أزمة الولوج إلى المهنة لا تعني فقط توسيع دائرة المترشحين؛ السؤال هو: أي تكوين؟ وأي انتقاء؟ وأي مسار مهني بعد التوظيف؟ فالتعليم لا يحتاج إلى سد الخصاص العددي فقط، بل إلى مدرس قادر على إنتاج التعلم داخل القسم.

فالأزمة تتجاوز الأستاذ إلى جوهر العملية التعليمية.. والمعطيات الرسمية تؤكد أن المغرب لا يزال بعيداً عن تحقيق الحد الأدنى المطلوب في التعلمات الأساسية؛ إذ لا يتقن سوى 46% من تلاميذ الرابعة ابتدائي و36% من تلاميذ الثامنة الرياضيات بالمستوى الكافي وفق نتائج TIMSS 2023، كما سجل المغرب 300 ألف حالة هدر مدرسي سنوياً وفق معطيات أوردها المندوبية السامية للتخطيط.

المدرسة لا تحتاج وصفة انتخابية فقط

في هذا السياق، اقترح الحزب انشاء وكالة وطنية للتعليم الأولي، وتعزيز العربية والأمازيغية واعتماد التناوب اللغوي، وتقوية القراءة والكتابة والرياضيات، مع إلغاء التمييز بين مدارس الريادة وباقي المؤسسات، وهي قضايا مركزية، لكن الأرقام تفرض الحذر من الشعارات.. فقد بلغ عدد مدارس الريادة 4626 مؤسسة ابتدائية خلال الموسم 2025-2026، مستفيدةً منها نحو مليوني تلميذ، فيما تؤكد الوزارة أن النموذج يستهدف تحسين التعلمات وتقليص الهدر المدرسي.

وفي المقابل، تبقى المساواة بين المدارس رهينة بقدرة الدولة على توفير الموارد والتجهيزات والتأطير نفسه خارج المؤسسات المصنفة ضمن هذا النموذج، فالمشكلة ليست في اسم المدرسة، بل في الفارق بين مدرسة قادرة على تقديم تعليم جيد ومدرسة أخرى تظل أسيرة الخصاص.

«زيرو درهم».. أين نصيب الأستاذ؟

هنا توجد أضعف نقطة في البرنامج: الحديث عن «الاستقرار المهني والاجتماعي» من دون أرقام مالية أو آجال تنفيذ واضحة.. صحيح أن تحسين وضعية المدرس لا يختزل في الأجر، لكن لا يمكن أيضاً بناء خطاب عن الكرامة والمردودية خارج شروط العمل والتحفيز وتكشف وزارة التربية أن كتلة الأجور تمثل 78% من ميزانية القطاع، ما يجعل أي وعد جديد مطالباً بتحديد مصدر التمويل وكلفته.

المشكلة إذن ليست أن العدالة والتنمية اقترح إلغاء سن 35 أو إصلاح التعليم الأولي؛ بل أن الحزب يقدم نفسه اليوم كصاحب حلول لقطاع كان جزءاً من مسؤولية تدبيره لعقد كامل، والمواطن الذي دفع ثمن الاختيارات السابقة لا يحتاج قائمة أمنيات جديدة، بل يريد أرقاماً، ميزانية، آجالاً، ومؤشرات لقياس النتائج.

وفي التعليم تحديداً، لا يكفي أن تقول الأحزاب ماذا ستفعل؛ عليها أولاً أن تجيب: ماذا فعلت عندما كانت تستطيع؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى