
مصنع جديد للغاز بسوس ماسة يختبر جاهزية المغرب لمواجهة تقلبات الأسواق
تحرير: جيهان مشكور
يقترب المغرب من تعزيز بنيته التحتية الطاقية بمنشأة جديدة لتعبئة غاز البترول المسال (LPG) مشروع “تيدسي غاز” بضواحي مدينة أكادير، بعدما بلغت نسبة إنجاز المشروع 98%، في انتظار استكمال الإجراءات الإدارية قبل دخوله حيز الخدمة، ويأتي هذا المشروع، الذي تصل كلفته الاستثمارية إلى 300 مليون درهم، في سياق يتسم بتزايد الطلب الوطني على غاز البوتان، وتنامي الحاجة إلى تقوية أمن الإمدادات، خاصة بالمناطق الجنوبية التي تعرف توسعاً عمرانياً واقتصادياً متسارعاً.
بنية تحتية جديدة لتخفيف الضغط على الجنوب
يمتد المصنع على مساحة تناهز 15 هكتاراً، بطاقة تعبئة سنوية تبلغ 100 ألف طن، وقد أنجز بشراكة بين توتال إنرجيز ماركتينغ المغرب، وفيفو إنرجي المغرب، ومجموعة أكسس، ويتموقع على بعد نحو 70 كيلومتراً من ميناء أكادير، ليصبح ثاني منصة لتعبئة غاز البترول المسال بجنوب المملكة، ما من شأنه تحسين مرونة التوزيع وتقليص آجال التزويد لفائدة جهتي سوس ماسة وكلميم وادي نون، اللتين تشهدان نمواً سكانياً واستثمارياً متواصلاً.
ويكتسي المشروع أهمية إضافية بالنظر إلى أن غاز البوتان يظل المصدر الرئيسي للطاقة المنزلية بالنسبة لغالبية الأسر المغربية، خاصة في العالم القروي، كما يعتمد عليه القطاع الفلاحي في عدد من الأنشطة، وهو ما يجعل استقرار تموينه قضية ترتبط بالأمن الاجتماعي والقدرة الشرائية، وليس فقط بالجانب الصناعي.
أرقام تكشف حجم الرهان
وفق معطيات وزارة الاقتصاد والمالية، تجاوزت اعتمادات دعم غاز البوتان عبر صندوق المقاصة 15 مليار درهم خلال سنة 2025، ليستحوذ على الحصة الأكبر من نفقات الدعم العمومي، كما تشير بيانات وزارة الانتقال الطاقي إلى أن المغرب يستهلك ما يقارب 3 ملايين طن من غاز البوتان سنوياً، في وقت يعتمد فيه بشكل شبه كامل على الاستيراد لتأمين احتياجاته من المحروقات والغاز.
وتبرز هذه المؤشرات أن أي استثمار في التخزين والتعبئة والتوزيع لا يهدف فقط إلى توسيع القدرات اللوجستية، بل إلى تقليص مخاطر اضطراب الإمدادات، خصوصاً بعد الأزمات الدولية التي شهدتها أسواق الطاقة منذ سنة 2022، والتي أكدت أن الأمن الطاقي أصبح عنصراً أساسياً في الأمن الاقتصادي للدول.
مكاسب اقتصادية… وتحديات قائمة
اقتصادياً، ينتظر أن يساهم المصنع في تخفيض تكاليف النقل نحو الأقاليم الجنوبية، وتحسين كفاءة سلاسل التوزيع، فضلاً عن خلق فرص شغل مباشرة وغير مباشرة، وتحفيز الأنشطة المرتبطة بالنقل والخدمات الصناعية واللوجستية.. كما ينسجم مع توجه جهة سوس ماسة إلى استقطاب مزيد من الاستثمارات الصناعية والغذائية، التي تتطلب إمدادات طاقية مستقرة ومنتظمة.
غير أن أهمية هذا المشروع لا تخفي استمرار تحديات هيكلية تواجه المنظومة الطاقية المغربية، وفي مقدمتها الاعتماد الكبير على الواردات، وتراجع قدرات التكرير الوطنية منذ توقف مصفاة “سامير”، فضلاً عن الحاجة إلى رفع قدرات التخزين الاستراتيجي وتسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة والغاز الطبيعي.
وبذلك، يمثل مصنع أكادير خطوة متقدمة في تعزيز أمن الطاقة بالمغرب، لكنه يسلط الضوء أيضاً على أن تحقيق السيادة الطاقية لا يقتصر على إنشاء منشآت جديدة، بل يتطلب رؤية وطنية متكاملة تجمع بين تنويع مصادر الطاقة، وتوسيع قدرات التخزين، وتطوير البنية اللوجستية، بما يضمن حماية الاقتصاد الوطني من الصدمات الخارجية ويؤمن استقرار تزويد المواطنين والمقاولات على حد سواء.





