
تواصل شركات الأدوية المدرجة في بورصة الدار البيضاء تسجيل أرقام قوية، لكن صعود المؤشرات المالية يطرح سؤالا أكثر إلحاحاً من حجم الأرباح: ماذا يصل من هذا النمو إلى المريض؟ فخلال النصف الأول من 2026، بلغ رقم معاملات «سوطيما» نحو 1.8 مليار درهم، فيما سجلت «بروموفارم» 507 ملايين درهم، أي أكثر من 2.3 مليار درهم مجتمعين، تعكس هذه الأرقام دينامية صناعية واضحة، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الاجتماعي: هل أصبح الدواء أقل كلفة وأكثر إتاحة؟
سوطيما.. نمو بأرقام ثقيلة
رفعت «سوطيما» رقم معاملاتها بنسبة 16% إلى 1.8 مليار درهم، بينما بلغ صافي الربح، حصة المجموعة، 215 مليون درهم، بزيادة 11%، كما بلغت استثماراتها 111 مليون درهم، مقابل 28 مليوناً خلال الفترة نفسها من 2025، مع تراجع صافي المديونية إلى 681 مليون درهم، هذه مؤشرات على توسع صناعي واستثماري، لكنها تظل مؤشرات مالية ما لم يلمس أثرها المواطن في سعر العلاج والولوج إلى الدواء.
بروموفارم.. حين ترتفع المبيعات وتتراجع الأرباح
في نفس السياق ، تبدو الصورة مختلفة في «بروموفارم»: فقد ارتفع رقم معاملاتها 9% إلى 507 ملايين درهم، لكن صافي النتيجة هبط إلى 6.8 ملايين درهم، مقابل 26.3 مليوناً قبل سنة. وتربط الشركة التراجع بارتفاع مصاريف الاستهلاك والتمويل المرتبطة بتشغيل وحدة جديدة للحقن، إلى جانب نفقات البحث والتطوير وخسائر الصرف.
و فيما لا يثبت هذا المعطى خللاً في الاستثمار، الا انه يكشف كلفة الانتقال من التوسع التجاري إلى بناء قدرات إنتاجية جديدة، وهنا يصبح السؤال أوسع: من يدفع كلفة بناء صناعة دوائية قوية، ومتى يتحول الاستثمار الصناعي إلى مكسب ملموس للمستهلك؟
التغطية الصحية تتوسع.. والعبء لم يختف
هنا تكمن المفارقة الأهم. فالتغطية الصحية تتوسع، والدولة تضخ موارد أكبر في القطاع، لكن الإنفاق المباشر للأسر لم يختف، فوفق «الحسابات الوطنية للصحة» الصادرة عن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، تراجعت حصة المدفوعات المباشرة للأسر من 45.6% من إجمالي الإنفاق الصحي سنة 2018 إلى 38% في 2022، وهذا تحسن مهم، لكنه لا يعني أن العبء المالي انتهى؛ فالوزارة نفسها تشير إلى أن قيمة ما تدفعه الأسر مباشرة ارتفعت من 27.8 مليار درهم إلى 31 ملياراً خلال الفترة نفسها.
وهنا تتجاوز القضية نتائج شركتين مدرجتين في البورصة، فالمطلوب من سياسة دوائية وطنية ليس فقط رفع الإنتاج والاستثمار، بل ضمان أن يتحول ذلك إلى قدرة أكبر على تحمل كلفة العلاج، فنجاح الصناعة لا يُقاس فقط بما تضيفه إلى رقم المعاملات أو أرباح المساهمين، بل أيضاً بما تخففه من فاتورة المرض.
صناعة دوائية يقاس نجاحها في البورصة على حساب جيوب المواطنيين
المعضلة إذن ليست أن تحقق شركات الدواء أرباحاً؛ فالربحية شرط لاستمرار الاستثمار والبحث والتطوير، المعضلة تبدأ عندما تتسع السوق أسرع من قدرة المواطن على تحمل كلفتها، وإذا كانت الدولة توسع التغطية، والشركات توسع استثماراتها، فيما تظل الأسر تتحمل مليارات الدراهم من جيوبها، فإن السؤال السياسي يصبح مشروعاً: أين يتعطل انتقال ثمار النمو من ميزانيات الشركات إلى جيوب المرضى؟
ففي النهاية، لا معنى لتغطية صحية أوسع إذا بقي المرض قادراً على استنزاف دخل الأسرة، ولا معنى لصناعة دوائية قوية إذا ظل نجاحها يُقاس في البورصة أكثر مما يُقاس في الصيدلية.
اقرأ أيضا…
الدواء.. الكلفة المنسية للدولة الاجتماعية




