
تحرير: بثينة المكودي
لم تعد الانتخابات التشريعية المقبلة بدائرة تيزنيت مجرد سباق مبكر بين أسماء محتملة، بعدما بدأت الأحزاب السياسية في حسم وكلاء لوائحها، لتدخل الدائرة مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: من يملك القدرة على تركيب اللائحة الأقوى؟
فمع اقتراب اقتراع 23 شتنبر 2026، باتت أسماء عبد الله غازي عن التجمع الوطني للأحرار، ولحسن الباز عن حزب الاستقلال، وفؤاد المودني عن الأصالة والمعاصرة، وعمر ببريك عن العدالة والتنمية، وخديجة أروهال عن التقدم والاشتراكية، ونوح أعراب عن الاتحاد الاشتراكي، حاضرة في صلب المشهد الانتخابي.
لكن المفارقة أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد بكامل تفاصيلها، لأن أسماء المرتبة الثانية في عدد من اللوائح لم تُحسم أو لم يُعلن عنها بعد، وهو ما يجعل الخريطة الانتخابية لتيزنيت مفتوحة على مفاجآت قد تغير موازين القوى.
مقعدان.. وستة طموحات انتخابية
دائرة تيزنيت لا تمنح سوى مقعدين، وهو ما يجعل هامش الخطأ ضيقاً جداً أمام الأحزاب.
ستة مشاريع سياسية رئيسية تتجه حالياً نحو المنافسة، لكن الوصول إلى البرلمان لن يكون رهيناً فقط بشهرة وكيل اللائحة، بل بقدرته على بناء تركيبة انتخابية متوازنة قادرة على جمع الأصوات من المدينة والجماعات القروية والمناطق ذات الخصوصيات الاجتماعية والانتخابية المختلفة.
وهنا تبرز أهمية الاسم الثاني.
فالوصيف ليس مجرد مرشح موضوع في المرتبة الثانية لاستكمال اللائحة، بل قد يكون صاحب الكتلة التي تمنح اللائحة مقعداً إضافياً أو تنقذها من السقوط خارج دائرة المنافسة.
الأغلبية الحكومية في مواجهة بعضها بتيزنيت
اللافت في انتخابات تيزنيت أن أحزاب الأغلبية الحكومية الثلاثة ستكون في مواجهة انتخابية مباشرة.
عبد الله غازي يقود لائحة التجمع الوطني للأحرار، ولحسن الباز يحمل رهان الاستقلال، بينما يدخل فؤاد المودني السباق باسم الأصالة والمعاصرة.
وبذلك تتحول المنافسة داخل الدائرة إلى مفارقة سياسية واضحة: تحالف حكومي في الرباط، وتنافس شرس في تيزنيت على مقعدين فقط.
وهذا التنافس قد يكون أكثر حدة من المعتاد، لأن أي تقدم لحزب من الأحزاب الثلاثة سيكون بالضرورة على حساب منافسيه، خصوصاً إذا بقيت المعارضة قادرة على الحفاظ على حضورها الانتخابي.
غازي.. الدفاع عن رقم 2021
يدخل عبد الله غازي الاستحقاق المقبل من موقع قوي، بعدما كان التجمع الوطني للأحرار صاحب أكبر رقم انتخابي في الدائرة خلال انتخابات 2021.
الحزب حصل حينها على أكثر من 37 ألف صوت، وهي نتيجة جعلته في موقع مريح ومكنه من انتزاع أحد المقعدين.
غير أن الاحتفاظ بهذا التفوق لن يكون مهمة سهلة.
غازي لا يخوض الانتخابات هذه المرة بصفته نائباً برلمانياً فقط، بل يدخلها أيضاً من موقع رئيس جماعة تيزنيت، ما يعني أن حصيلته السياسية والتدبيرية ستكون حاضرة بقوة في تقييم الناخبين.
وسيكون عليه أن يحافظ على الخزان الانتخابي السابق، وفي الوقت نفسه مواجهة المنافسين الذين سيحاولون اقتطاع جزء من أصوات الأحرار، خصوصاً في المناطق التي يمكن أن تشهد تغيراً في الولاءات الانتخابية.
أما اسم الوصيف، فسيكون بالنسبة إلى غازي أكثر من مجرد تفصيل تنظيمي.
إذا جاء من منطقة ذات ثقل انتخابي، فقد يساهم في توسيع الخريطة الجغرافية للحزب. وإذا كان من داخل التنظيم، فقد تكون الرسالة هي الحفاظ على الانضباط الداخلي وتماسك القاعدة.
الباز.. الاستقلال يريد أكثر من مجرد الدفاع عن المقعد
حزب الاستقلال يدخل الانتخابات بدوره من موقع مختلف.
فبعد حصوله على المقعد الثاني في انتخابات 2021، سيكون مطالباً ليس فقط بالحفاظ عليه، بل بمحاولة تقليص الفارق مع الأحرار، وربما قلب المعادلة بالكامل.
وتكمن قوة لحسن الباز في كونه اسماً جديداً نسبياً في السباق البرلماني، وهو ما يسمح له بتقديم نفسه باعتباره خياراً مختلفاً، بعيداً عن حسابات الولاية السابقة.
لكن نجاح هذا الرهان سيتوقف على قدرة الاستقلال على تركيب لائحة تجمع بين القاعدة التاريخية للحزب وبين الوافدين والفاعلين المحليين الذين يمكن أن يضيفوا أصواتاً جديدة.
ولهذا سيكون اختيار الوصيف اختباراً حقيقياً للحزب.
فالاسم الثاني قد يكون رسالة إلى المناضلين، وقد يكون أيضاً ورقة لاستقطاب كتلة انتخابية من منطقة أو جماعة معينة.
المودني.. من ملعب كرة القدم إلى الملعب الانتخابي
أما فؤاد المودني، فيدخل السباق محملاً برصيد جماهيري مختلف.
فاسمه ارتبط خلال الفترة الأخيرة بأمل تيزنيت والإنجاز الرياضي الذي حققه الفريق، وهو ما منحه حضوراً لافتاً، خصوصاً وسط الشباب والمتابعين للشأن الرياضي.
لكن الانتخابات ليست مباراة كرة قدم.
فالجمهور الرياضي لا يتحول آلياً إلى كتلة انتخابية، والمشجع الذي يهتف للفريق قد لا يصوت بالضرورة للمرشح نفسه.
كما أن دائرة تيزنيت أوسع من المدينة، وتضم جماعات ومناطق قروية لا تكفي فيها الشعبية الرياضية وحدها لصناعة مقعد برلماني.
ومن هنا، يحتاج المودني إلى وصيف قادر على القيام بما لا توفره الشعبية الرياضية: توسيع الامتداد الجغرافي والتنظيمي للائحة.
فالبام كان من أصحاب النتائج المحدودة نسبياً في 2021، وبالتالي فإن طموحه هذه المرة يتطلب قفزة انتخابية واضحة، وليس مجرد تحسين بسيط في عدد الأصوات.
المعارضة تترقب تشتت أصوات الأغلبية
في المقابل، لا تدخل أحزاب المعارضة السباق وهي خارج الحسابات.
العدالة والتنمية، التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي تملك جميعها أوراقاً يمكن أن تستفيد من المنافسة المحتدمة بين أحزاب الأغلبية.
عمر ببريك يمثل رهان العدالة والتنمية على استعادة جزء من حضوره السابق، مستفيداً من قاعدة حزبية قادرة على التعبئة ومن إمكانية استفادته من التصويت العقابي.
أما خديجة أروهال، فتدخل باسم التقدم والاشتراكية وهي تحمل تجربة برلمانية سابقة وحضوراً في ملفات الإقليم، وهو ما يمنح الحزب ورقة يصعب تجاهلها.
في حين يراهن الاتحاد الاشتراكي على نوح أعراب، الكاتب الإقليمي للحزب، في محاولة لإعادة بناء حضوره واستعادة جزء من الرصيد الاتحادي الذي تراجع خلال السنوات الماضية.
نتائج 2021.. مهمة ولكنها ليست وصفة جاهزة
تكشف نتائج الانتخابات التشريعية السابقة أن المعركة المقبلة لا يمكن قراءتها فقط من خلال ترتيب الأحزاب.
فبعد الأحرار والاستقلال، جاءت أحزاب التقدم والاشتراكية والعدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي والأصالة والمعاصرة بأرقام متقاربة نسبياً، وهو ما يعني أن الفارق بين عدد من المنافسين لم يكن كبيراً.
وهذا التقارب قد يصبح أكثر أهمية في انتخابات 2026.
فإذا تراجعت أصوات الأحرار والاستقلال والبام ولو بشكل محدود، أو تشتتت بينها، فقد يجد أحد أحزاب المعارضة نفسه فجأة داخل دائرة المنافسة على المقعد الثاني.
وفي المقابل، إذا حافظ أحد أحزاب الأغلبية على أغلب رصيده السابق وتمكن من استقطاب أصوات جديدة، فقد يصبح السيناريو مختلفاً تماماً.
حرب الوصفاء تبدأ قبل الحملة
المرحلة المقبلة قد تكون الأكثر إثارة سياسياً.
فالأحزاب مطالبة بحسم الأسماء الثانية، وهذه العملية ليست سهلة، لأنها تتداخل فيها الحسابات الحزبية والجغرافية والاجتماعية.
مرشح قوي في المدينة يحتاج إلى شخصية تغطي الجماعات القروية.
ومرشح له امتداد في منطقة معينة قد يحتاج إلى اسم يفتح له أبواب منطقة أخرى.
كما أن بعض الأحزاب قد تبحث عن شخصيات قادرة على استقطاب أصوات من خارج قواعدها التقليدية.
لهذا يمكن أن تتحول المرتبة الثانية إلى أهم ورقة تفاوضية قبل موعد إيداع الترشيحات.
الترحال السياسي.. الورقة التي قد تقلب الخريطة
الانتخابات المقبلة قد تشهد أيضاً انتقال عدد من الفاعلين والمنتخبين بين المواقع السياسية، خصوصاً أن المرتبة الثانية يمكن أن تكون مغرية لشخصيات تملك شبكات انتخابية وتبحث عن موقع متقدم.
وقد تنتظر بعض الأحزاب حتى اللحظات الأخيرة لمعرفة تركيبة منافسيها، قبل أن تكشف أوراقها.
فالاختيار قد يكون موجهاً ضد شخص بعينه.
إذا اختار حزب منافس شخصية قوية في منطقة معينة، فقد يسارع حزب آخر إلى وضع اسم قادر على مواجهتها داخل الخزان الانتخابي نفسه.
وهكذا تتحول هندسة اللوائح إلى ما يشبه رقعة شطرنج سياسية، كل حركة فيها تستدعي حركة مضادة.
هل يستطيع حزب واحد خطف المقعدين؟
السيناريو ممكن نظرياً، لكنه ليس سهلاً.
فوجود ستة مرشحين بارزين، وتعدد القواعد الانتخابية، وتشتت الأصوات، كلها عوامل تجعل المنافسة على المقعد الثاني مفتوحة.
الأحرار يملكون أقوى رصيد سابق، والاستقلال يملك مقعداً يدافع عنه، والبام يبحث عن قفزة كبيرة، فيما تتطلع المعارضة إلى استغلال أي تراجع أو انقسام داخل معسكر الأغلبية.
وبالتالي، فإن السؤال لن يكون فقط: من سيتصدر؟
بل قد يكون السؤال الأكثر أهمية: من سيحتل المركز الثاني؟
لأن المركز الثاني في تيزنيت هو في حد ذاته معركة مستقلة.
نسبة المشاركة.. المتغير الذي قد ينسف كل الحسابات
هناك عامل آخر قد يغير المشهد بالكامل: نسبة المشاركة.
فارتفاع المشاركة قد يخدم الأحزاب التي تملك قدرة على الوصول إلى ناخبين جدد وتحريك الفئات التي لا تصوت عادة بكثافة.
أما انخفاضها، فقد يعطي أفضلية أكبر للأحزاب ذات التنظيم الميداني القوي والقواعد الانتخابية المنضبطة.
وبالتالي، فإن الحسابات المبنية على نتائج 2021 ستظل ناقصة ما لم تؤخذ بعين الاعتبار طبيعة المشاركة في 2026.
تيزنيت أمام معركة مفتوحة
المؤكد إلى حدود الآن أن الخريطة الانتخابية بتيزنيت لم تعد مجهولة، لكنها في الوقت نفسه لم تكتمل.
أسماء الوكلاء باتت معروفة، لكن أسماء الوصفاء قد تحمل معها مفاجآت قادرة على إعادة ترتيب المشهد.
غازي يريد الدفاع عن صدارة الأحرار، والباز يطمح إلى تثبيت موقع الاستقلال وربما تجاوزه، والمودني يبحث عن تحويل رصيده الجماهيري إلى قوة انتخابية، فيما يحاول ببريك وأروهال وأعراب اقتناص فرصة العودة إلى دائرة المنافسة.
وبين هؤلاء جميعاً، تبقى حرب الوصفاء هي الحلقة التي قد تربط بين الاسم والصوت، وبين الشعبية والمقعد.
ففي دائرة لا تمنح سوى مقعدين، قد لا يحتاج المرشح إلى آلاف الأصوات الإضافية حتى يقلب النتيجة، بل إلى فارق محدود جداً يمكن أن تصنعه لائحة متوازنة، ووصيف ذكي، وشبكة انتخابية تمتد إلى المكان الصحيح.
ولهذا، فإن معركة تيزنيت لن تُحسم يوم 23 شتنبر فقط.
بعض تفاصيلها الحاسمة ستُحسم قبل ذلك بكثير، لحظة تُغلق الأحزاب لوائحها وتكشف عن الأسماء التي اختارتها للمرتبة الثانية.
حينها فقط ستبدأ الصورة الحقيقية في الظهور، وسيتضح ما إذا كانت تيزنيت مقبلة على إعادة إنتاج خريطة 2021، أم على واحدة من أكثر الانتخابات التشريعية تنافسية في تاريخ الدائرة.





