
أزمة الثقة الانتخابية بالمغرب..
لم تعد معركة الانتخابات في المغرب تُقاس فقط بعدد المقاعد التي تحصدها الأحزاب، بل أيضا بحجم المواطنين الذين يختارون عدم الوصول إلى صناديق الاقتراع، فدراسة حديثة صادرة عن “المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة” تضع العزوف في قلب المشهد السياسي، معتبرة أن المشكلة تتجاوز ضعف الإقبال إلى أزمة ثقة في الوساطة الحزبية وقدرتها على ترجمة انتظارات المواطنين إلى سياسات ملموسة.
16 مليون مواطن خارج دائرة الاقتراع
تكشف الأرقام التي تستند إليها الدراسة اتساع الفجوة بين الهيئة الناخبة والمشاركة الفعلية، فمن أصل نحو 25 مليون مواطن في سن التصويت، يوجد حوالي 17 مليوناً فقط مسجلين في اللوائح الانتخابية، بينما لم يتجاوز عدد المصوتين فعلياً 8.8 ملايين شخص.
وبذلك ظل نحو “16 مليون مواطن في سن الاقتراع خارج العملية الانتخابية”، بين غير المسجلين ومن سجلوا ولم يتوجهوا إلى مكاتب التصويت، وتكشف هذه المعطيات أن أزمة المشاركة لا تبدأ يوم الاقتراع، وإنما قبل ذلك، عند قرار التسجيل والانخراط في العملية السياسية.
وتزداد دلالة الأرقام في انتخابات 2021، إذ لم تتجاوز المشاركة الفعلية، وفق المعطى الذي تبرزه الدراسة، نحو “35% من المواطنين في سن التصويت، أما نسبة المشاركة الرسمية البالغة”50.35%”، فهي محسوبة على أساس المسجلين، ما يعكس اختلافاً جوهرياً بين المؤشرين.
الشباب.. الحلقة الأضعف

تأخذ الأزمة بعداً أكثر حساسية لدى الشباب، فالمعطيات الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط أظهرت أن نسبة التسجيل الانتخابي لم تتجاوز “33.6% لدى الفئة بين 18 و24 سنة”، مقابل “94.4 في المائة لدى من تتجاوز أعمارهم 60 سنة”.
ولا تنفصل هذه الفجوة عن واقع اجتماعي واقتصادي مثقل بالبطالة وصعوبة الاندماج المهني، ووفق المعطيات التي أوردتها الدراسة، بلغت البطالة 13%، وارتفعت إلى 37.2% لدى الشباب بين 15 و24 سنة، وإلى نحو 19.1% لدى حاملي الشهادات.
عندما تتحول الانتخابات إلى اختبار للثقة
تربط الدراسة ضعف المشاركة بأزمة الوساطة السياسية، في ظل صعوبة الأحزاب في استعادة ثقة المواطنين وتمثيل مطالبهم الاجتماعية والاقتصادية، وتدعم نتائج «الباروميتر العربي» هذه الخلاصة، إذ لا تتجاوز الثقة في الأحزاب 18%، مقابل 38% للبرلمان و33% للحكومة.
>هنا لا يعود السؤال: لماذا لا يصوت المواطن؟ بل يصبح أكثر عمقاً: هل ما زال مقتنعاً بأن صوته قادر على إنتاج تغيير ملموس؟<
من التصويت العقابي إلى أزمة التمثيلية
وتكشف انتخابات 2021 هشاشة الولاءات الحزبية؛ فقد انتقل حزب العدالة والتنمية من 125 مقعداً في 2016 إلى 13 في 2021، بينما ارتفع رصيد التجمع الوطني للأحرار من 37 إلى 102 مقعد، ورغم تأثير تغيير طريقة احتساب القاسم الانتخابي، تعكس هذه التحولات قابلية الخريطة السياسية لإعادة التشكل، وتحول جزء من التصويت إلى أداة للعقاب السياسي أكثر من كونه ارتباطاً حزبياً مستقراً.
استعادة المواطن قبل استعادة صوته
تؤكد خلاصات الدراسة أن مواجهة العزوف لا يمكن اختزالها في حملات انتخابية موسمية، بل تتطلب “إعادة بناء الوساطة الحزبية” عبر تجديد النخب، وتوسيع حضور الشباب والنساء، وتقوية الديمقراطية الداخلية، وتقديم برامج قابلة للقياس، وربط الخطاب السياسي بالنتائج الاقتصادية والاجتماعية.
فالمشكلة الأكبر ليست أن يخسر حزب انتخابات، بل أن “تخسر السياسة المواطن”.. وعندما يبقى نحو 16 مليون شخص في سن التصويت خارج العملية الانتخابية، فإن التحدي الديمقراطي لا يصبح فقط تنظيم انتخابات نزيهة، بل استعادة الثقة وإقناع «الفئة الصامتة» بأن صوتها ما يزال قادراً على إحداث الفرق.
ولا تنفصل أزمة العزوف وضعف الثقة عن سؤال أعمق يتعلق بطبيعة العملية الانتخابية نفسها.

فقد سبق للسياسي اليساري محمد الساسي أن اعتبر أن الانتخابات في المغرب «تخضع للضبط من طرف الدولة»، مؤكدا أن الدولة «ليست محايدة في علاقتها بالانتخابات»، وأنها تساهم، بحسب قراءته، في صياغة «هندسة مسبقة» للخريطة السياسية، بما يضمن استمرار توازنات معينة، من خلال الحفاظ على حضور العائلات الكبرى والتوازنات الجهوية، وضمان وجود قيادات حزبية داخل البرلمان وقربها من مركز القرار.
وفي ندوة نظمتها مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد تحت عنوان «الانتخابات القادمة، أية جدوى؟»، في أكتوبر 2025، ذهب الساسي إلى أن الانتخابات المغربية ظلت على امتداد مراحلها «موضع شبهة»، نتيجة استمرار الشكوك المتبادلة بين الفاعلين السياسيين بشأن تدخل الإدارة وتأثيرها في العملية الانتخابية. كما لفت إلى وجود فوارق واضحة بين الانتخابات في المدن والقرى، سواء من حيث طبيعة المرشحين أو أنماط المشاركة ونسب الإقبال.
وتضيف هذه القراءة بعداً آخر إلى مأزق المشاركة الانتخابية: فالعزوف لا يرتبط فقط بضعف ثقة المواطن في الأحزاب وبرامجها، وإنما قد يتغذى أيضاً من شعور أوسع بأن موازين العملية الانتخابية محددة سلفا، وأن هامش التغيير الذي يمكن أن تنتجه صناديق الاقتراع يظل محدودا. وعندما يلتقي هذا الاعتقاد مع ضعف أداء الأحزاب وتراجع ثقة المواطنين فيها، تصبح الانتخابات أمام معضلة مزدوجة: كيف تطلب من المواطن أن يشارك في لعبة سياسية لا يعتقد أنها قادرة على تغيير قواعدها؟
اقرأ أيضا…
الساسي: المغرب لم يتمكن بعد من “صياغة نهائية متوافق عليها للأنظمة الانتخابية”





