
بقلم: أحمد مقبول
ليس لي مع جمال العسري ذلك النوع من العلاقة التي تسمح بالحديث عن صداقة أو قرب سياسي دائم، ما بيننا مودة قديمة، تعود إلى سنوات كان فيها العسري في منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وكان واحدا من أولئك اليساريين الذين اختاروا، في الصحراء، الاحتفاظ بمسافة من منطق الريع والاستقطاب، اسلم عليه باحترام وأقدره.
عسري كما هو لا كما نريده أن يكون
أستحضر هذه العلاقة لا لأكتب شهادة في حق الرجل، وإنما لأنها جزء من زاوية النظر إليه، فمن الصعب أن تكتب عن شخص عرفته في بدايات مساره السياسي كما تكتب عن سياسي ظهر فجأة في المشهد.
لكن المسافة الزمنية تسمح أيضا بشيء آخر: أن نرى جمال العسري كما هو، لا كما نريده أن يكون.
فالرجل الذي أصبح أمينا عاما للحزب الاشتراكي الموحد بعد المؤتمر الوطني الخامس سنة 2023، خلفا لنبيلة منيب، يجد نفسه اليوم أمام امتحان مختلف تماما عن الامتحان الذي عرفه في سنوات اليسار الأولى: كيف يمكن تحويل خطاب سياسي متماسك إلى قوة سياسية قادرة على التأثير، والإقناع، والفوز، ثم ممارسة ما تدعو إليه؟
وهنا تبدأ قصة العسري الحقيقية.
من الداخلة إلى قيادة اليسار
ولد جمال العسري في أكادير سنة 1967، ويقول إنه بدأ الاهتمام بالسياسة منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، وهو ما يعني أن علاقته بالشأن العام سبقت بسنوات طويلة التحولات الكبرى التي عرفها المشهد السياسي المغربي.
في الداخلة، كان من مؤسسي فرع منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، والتحق بالمنظمة سنة 1996، قبل أن ينتقل إلى طنجة سنة 2003. كما راكم تجربة نقابية في قطاع التعليم، وهو ما منح مساره بعدا يتجاوز العمل الحزبي الضيق.
كان ذلك زمنا مختلفا.
زمن كان اليساري فيه يعرف نفسه، قبل كل شيء، من خلال موقعه من السلطة والريع والعدالة الاجتماعية والحريات، وكان الانتماء إلى اليسار يعني، بالنسبة إلى كثير من المناضلين، سنوات من العمل التنظيمي والنقابي، وليس مجرد الترشح في لائحة انتخابية.
العسري ابن هذا الزمن.
وربما هذه إحدى نقاط قوته، لكنها قد تكون أيضا إحدى مشكلاته.
فما يصلح لتفسير السياسة في مرحلة معينة لا يكفي بالضرورة لإقناع أجيال جديدة أصبحت أقل ارتباطا بالتصنيفات الإيديولوجية القديمة، وأكثر اهتماما بالنتائج الملموسة.
استقلالية دفع ثمنها
في ذاكرة من عرفوا تلك المرحلة، ارتبط اسم العسري بجانب من اليسار الذي رفض أن تكون الصحراء مجالا للاستقطاب السياسي بالريع، وبقي متمسكا باستقلالية القرار الحزبي.
لا ينبغي تحويل هذه التجربة إلى أسطورة شخصية؛ فالسياسة أكثر تعقيدا من أن تختزل في ثنائية المناضل النقي في مواجهة الآخرين.
لكنها تظل عنصرا مهما في فهم الرجل.
فالعسري لم يصل إلى قيادة الحزب من خارج التجربة اليسارية، وإنما جاء إليها محمولا على تاريخ من العمل التنظيمي والنقابي والسياسي.
وهذا يمنحه شرعية نضالية داخل حزبه، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالا آخر: هل تكفي الشرعية النضالية القديمة لبناء نفوذ سياسي جديد؟
ذلك هو الاختبار الأصعب.
خطاب واضح في زمن ملتبس
في الآونة الأخيرة، استطاع العسري أن يلفت الانتباه بخطاب يبدو أكثر تماسكا من كثير من الخطابات الانتخابية التي تغرق في الوعود العامة.
يتحدث عن حكومة تحكم، ومنتخبين بصلاحيات فعلية، ومحاسبة، وإصلاح سياسي ودستوري، وحريات، وعدالة اجتماعية، ومدرسة عمومية، ومناطق مهمشة.
ويقول إن الانتخابات وسيلة وليست غاية، ويدافع عن إسناد تنظيمها إلى هيئة مستقلة، كما يطرح الملكية البرلمانية باعتبارها مدخلا للإصلاح السياسي.
هذه المواقف تمنح خطابه وضوحا.
لكن الوضوح شيء، والقدرة على الإقناع شيء آخر.
فالمشكلة التي تواجه العسري ليست في أن يقول ما يريد، وإنما في أن يشرح كيف يمكن الوصول إليه، وما هي موازين القوى التي تسمح بتحويل هذه الشعارات إلى سياسات عمومية.
وهنا تحديدا ينبغي أن يوضع الرجل أمام أسئلة أكثر صرامة.
بين قوة الفكرة وضعف الوزن الانتخابي
لا يمكن قراءة مسار العسري من دون استحضار حقيقة أساسية: الخطاب السياسي لم يتحول، إلى الآن، إلى وزن انتخابي يوازيه.
في انتخابات 2021، قاد لائحة الحزب الاشتراكي الموحد في دائرة طنجة ـ أصيلة، لكنه لم يفز بمقعد برلماني.
لا ينبغي أن تكون هذه الواقعة حكما نهائيا على الرجل، خاصة حين نعرف الاجواء التي مرت بها وصاحبتها تلك الانتخابات والمال الكبير الذي خرج أو يكاد عن السيطرة، لكنها أيضا ليست تفصيلا يمكن تجاهله.
فالسياسي الديمقراطي يُقاس في النهاية بأكثر من سلامة مواقفه: يُقاس بقدرته على إقناع الناس، وبناء التنظيم، وتوسيع قاعدة حزبه، وتحويل الأفكار إلى قوة انتخابية ومؤسساتية.
وهنا لا يزال أمام العسري والحزب الاشتراكي الموحد عمل كثير.
فالقضية ليست أن يكون الحزب مقتنعا بأفكاره، بل أن يستطيع إقناع مجتمع كامل بها، أو على الأقل جزءا منه.
280 مليارا.. بين السؤال المشروع والاستثمار السياسي
في أحد مهرجاناته الانتخابية بخنيفرة، توقف العسري عند تصريح فوزي لقجع حول مبلغ 280 مليار درهم، وطالب النيابة العامة بالتحقيق في ما اعتبره هدرا للمال العام، كما طالب بمحاسبة المسؤولين.
من حيث المبدأ، طرح السؤال مشروع: إذا كان مسؤول حكومي قد تحدث عن مبلغ بهذا الحجم، فمن الطبيعي أن يكون هناك نقاش عمومي حول طبيعة هذا الإنفاق، ومآله، والمسؤوليات المرتبطة به.
لكن الصحافة والسياسة تقتضيان هنا قدرا من التحفظ.
فالرقم، مهما كان كبيرا، لا يكفي وحده لإثبات وجود مثلا “سرقة” أو “لصوصية”، وإن كان المنطق بنفس القدر لا يستبعدها، نعم، هناك فرق بين سوء التدبير، والهدر، والخسارة، والاختلال الإداري، والفساد الجنائي، وهذه الفروق لا تحسمها المنابر الانتخابية، وإنما المؤسسات المختصة والتحقيقات والقضاء.
قوة العسري في هذه الحالة هي أنه يطالب بالمحاسبة، وأن نتقدم في بناء نظام سياسي يصبح فيه ذلك مجرد بديهية
“الفراقشية”.. لغة تصل إلى الناس
حين يتحدث العسري عن الوسطاء والمستفيدين من الدعم وأسعار اللحوم، ويستخدم مفردة “الفراقشية”، فإنه يبتعد عن اللغة الحزبية الثقيلة ويقترب من لغة الشارع.
وهذه إحدى نقاط قوة خطابه.
لكن اللغة الشعبية، رغم قدرتها على الوصول، تحمل خطراً أيضاً: أن تختزل منظومة اقتصادية معقدة في أشخاص أو أوصاف.
فسؤال الدعم، والاستيراد، والأسعار، وسلاسل التوزيع، والوسطاء، والاحتكار، لا يحل فقط بإدانة “الفراقشية”. يحتاج إلى سياسات واضحة، وأرقام، وآليات مراقبة، وقواعد منافسة، ومسؤولية مؤسساتية.
وهنا يعود السؤال نفسه: ما الذي يأتي بعد التشخيص؟
فلسطين.. موقف ثابت لا يحتاج إلى كثير من الشرح
في القضية الفلسطينية، لا يبدو العسري محتاجا إلى كثير من التفسير. موقفه مناهض للتطبيع، وهو أيضا منسق وطني سابق للجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع.
وهذا الموقف منسجم مع المرجعية التاريخية للحزب الاشتراكي الموحد وجزء واسع من اليسار المغربي.
لكن حتى هنا، فإن الموقف السياسي لا يُقاس فقط بدرجة وضوحه الأخلاقي، وإنما أيضا بقدرته على إنتاج سياسة قابلة للنقاش العمومي، وعلى تفسير موقع القضية الفلسطينية داخل الأولويات الاجتماعية والاقتصادية للمواطن المغربي.
بمعنى آخر: الموقف من فلسطين واضح، لكن السياسة تحتاج دائما إلى أكثر من وضوح الموقف.
الملكية البرلمانية.. الفكرة الكبيرة والأسئلة الأصعب
لعل أكثر أفكار العسري جذرية هي دفاعه عن الملكية البرلمانية.
إنها ليست مجرد مطالبة بتعديل جزئي في توزيع الصلاحيات، وإنما تصور كامل لطبيعة النظام السياسي وموقع الحكومة والبرلمان والمنتخبين.
وهنا تحديدا يحتاج خطاب العسري إلى مزيد من التفصيل.
كيف ستتم إعادة توزيع السلط؟
ما شكل الحكومة في ظل هذا التصور؟
كيف ستُضمن فعالية الدولة واستمراريتها؟
ما موقع المؤسسة الملكية؟
كيف ستُحمى البلاد من هيمنة الأغلبية البرلمانية؟
وما هي الضمانات الدستورية والمؤسساتية المطلوبة؟
الأسئلة كثيرة، وهي لا تنتقص من الفكرة، بل تمنحها ما تحتاج إليه كي تنتقل من الشعار إلى مشروع سياسي قابل للنقاش.
العسري بين جيلين
ربما تكمن المفارقة الأساسية في شخصية جمال العسري هنا.
هو ابن يسار تشكل في زمن كانت فيه الأفكار الكبرى هي لغة السياسة: الديمقراطية، الاشتراكية، العدالة الاجتماعية، الحريات، فلسطين، مناهضة الريع.
لكنه يعمل اليوم في مجتمع تغيرت فيه أسئلة الناس.
الشاب الذي يبحث عن العمل لا يسأل فقط عن الملكية البرلمانية، وإنما عن أجر وفرصة وحياة كريمة، ولا يصل بتفكيره حد أنه مع الملكية البرلمانية يكمن حله، وهذا يعني فيما يعنيه، أن الربط بين قوة المطالب الاجتماعية ومشروعيتها، وبين الشعار السياسي مساحة واسعة تحتاج الشرح والتفسير والإقناع، وتحويل الشعار لرؤية تخلخل موازين القوى وتصنع تحالفات واسعة لذلك.
والمواطن في منطقة مهمشة يريد أن يعرف متى ستصل الطريق والمستشفى والمدرسة.
والناخب يريد أن يعرف ماذا سيفعل الحزب غداً، لا فقط لماذا يرفض ما تفعله الحكومة اليوم.
لذلك فإن التحدي أمام العسري ليس الحفاظ على هويته اليسارية، وإنما ترجمة هذه الهوية إلى إجابات عملية عن أسئلة جيل جديد.
التواضع.. ميزة شخصية أم أسلوب سياسي؟
ما يلفتني في العسري، بعيدا عن موقعه الحزبي، هو أنه لا يبدو شديد الانشغال بصناعة صورة السياسي الكبير.
لكن حتى هذه الميزة ينبغي ألا تتحول إلى حكم أخلاقي مجاني.
التواضع في السياسة قيمة جميلة، لكنه لا يكفي.
والصدق الشخصي، مهما كان مهما، لا يعوض عن الكفاءة التنظيمية.
والاستقامة، وهي شرط أساسي في العمل العام، لا تكفي وحدها لصناعة مشروع سياسي ناجح.
السياسي يحتاج أيضاً إلى القدرة على بناء التحالفات، وإدارة الاختلاف، وصياغة البرامج، وتدبير التنظيم، والوصول إلى الناخبين، وتحمل مسؤولية القرار حين يصبح القرار ممكناً.
وهنا سيُختبر العسري أكثر مما اختُبر في أي مرحلة سابقة.
ما الذي يبقى من جمال العسري؟
ربما يكون من السهل أن نضع العسري في خانة “السياسي النزيه” وننهي الحكاية.
لكن هذا سيكون تبسيطا لا يخدمه.
الأدق أن نقول إننا أمام سياسي يساري يحمل تاريخا طويلا، ويقدم خطابا واضحا في عدد من القضايا، ويبدو حريصاً على الحفاظ على مسافة من لغة الريع والاستعراض.
وفي المقابل، أمامه أسئلة صعبة تتعلق بالفعالية الانتخابية، وبقدرة حزبه على توسيع حضوره، وبترجمة المواقف الكبرى إلى برامج قابلة للتنفيذ، وبإقناع من هم خارج الدائرة التقليدية لليسار.
هذه هي الصورة الأكثر إنصافاً.
فجمال العسري ليس مجرد بقايا زمن يساري مضى، كما أنه لم يصبح بعد صاحب مشروع قادر على تغيير موازين السياسة المغربية.
هو في منطقة وسطى: سياسي يحمل ذاكرة جيل، ويبحث عن لغة تصل إلى جيل آخر.
وربما لهذا السبب يستحق المتابعة.
ليس لأن الرجل مختلف عن السياسيين الآخرين في كل شيء، ولا لأن مواقفه فوق النقد، وإنما لأنه ما زال يصر على أن السياسة ينبغي أن تكون شيئاً أكثر من تدبير للمواقع.
يبقى عليه الآن أن يثبت أن هذا الاعتقاد قادر على الصمود أمام الاختبار الأصعب: اختبار الواقع، وصندوق الاقتراع، وقدرة الفكرة على أن تتحول إلى فعل.
وهناك، تحديداً، سيظهر إن كان جمال العسري مجرد صوت يساري واضح في زمن ملتبس، أم أنه قادر فعلا على أن يجعل من هذا الوضوح مشروعا سياسيا له أثر يتجاوز المنبر والخطاب.
اقرأ أيضا…
العسري يوجّه نداءً سياسياً: العفو العام اختبار حقيقي لصدق الأحزاب في احتضان الشباب





