
25 طناً من الحديد تخرج من ورش المونديال..
في ورش يفترض أن يكون عنواناً لقدرة المغرب على إنجاز مشاريع كبرى بمواصفات عالمية، وجدت نحو 25 طناً من حديد البناء الجديد طريقها إلى مستودع للمتلاشيات ببنسليمان.
تبدو الواقعة التي كشفتها تحريات الشرطة القضائية في ظاهرها قضية مرتبطة بشحنة حديد، لكنها تفتح سؤالاً أكبر حول حماية الموارد والمواد داخل الأوراش الكبرى، وقدرة منظومة التدبير على منع تسربها، خصوصاً في مشاريع تستعد لاستحقاقات دولية بحجم مونديال 2030.
من ورش الملعب إلى «الجوطية».. كيف خرج الحديد؟
بدأت القضية بعدما رصدت المصالح الأمنية شاحنة كبيرة وهي تفرغ حمولتها داخل أرض حُولت إلى مستودع لبيع المتلاشيات، غير أن طبيعة الحمولة أثارت الشبهة، إذ لم تكن حديداً مستعملاً أو بقايا هدم، وإنما قطعاً حديثة الصنع وبقياسات مختلفة.
وقادت الأبحاث إلى توقيف سائقي شاحنتين، مع تحديد هوية سائقين آخرين يشتبه في تورطهما في الاستيلاء على كميات إضافية، وأظهرت المعطيات أن الحديد يعود إلى شركة مكلفة بتنفيذ بعض الأشغال المرتبطة بالملعب، من بينها تعبيد الطرق، فيما استعانت المصالح الأمنية بمتخصصين لتحديد المصنع المنتج اعتماداً على الختم الموجود على الحديد.
والأكثر إثارة أن الكمية بيعت، وفق المعطيات الأولية، مقابل مبلغ لا يتجاوز 10 ملايين، وهنا لا يعود السؤال فقط: من نقل الحمولة وباعها؟ بل كيف تمكنت مادة جديدة من مغادرة ورش بهذا الحجم دون أن تثير أي إنذار في سلسلة المراقبة؟
مليارات للمشاريع.. وثغرة في الحراسة؟
تزداد حساسية الواقعة عندما توضع في سياق المشروع الذي ارتبطت به، فملعب الدار البيضاء الكبير ببنسليمان يندرج ضمن الأوراش الرياضية الكبرى المرتبطة بتحضيرات المغرب للاستحقاقات الدولية المقبلة، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، وسط استثمارات معلنة تناهز 5 مليارات درهم بين 2025 و2028.
وفي مشاريع بهذه الضخامة، لا تكون مراقبة الحديد ومواد البناء مجرد مسألة لوجستيكية، فأي مادة تدخل الورش يفترض أن يكون مصيرها معروفاً، وأي خروج غير مفسر يطرح أسئلة حول مسؤولية مختلف المتدخلين، من صاحب المشروع إلى الشركات المنفذة والنقل والتخزين، وكلما ارتفعت قيمة الاستثمار، ارتفعت معها كلفة أي ثغرة في منظومة الحماية.
حين تُهدر المواد.. من يدفع الثمن؟
وتأتي الواقعة في سياق انتعاش قوي لقطاع البناء والأشغال العمومية، الذي سجلت قيمته المضافة نمواً بنسبة 6.7% خلال 2025، فيما ساهم القطاع في خلق نحو 64 ألف منصب شغل خلال السنة نفسها، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط.
لكن وراء هذه الأرقام توجد أموال واستثمارات ينتظر منها المواطن أثراً ملموساً على الاقتصاد والخدمات وفرص الشغل، لا أن تتحول الأوراش الكبرى إلى فضاءات يصعب فيها معرفة مصير المواد والأموال، فكل طن من الحديد يغادر مشروعاً عمومياً أو مرتبطاً باستثمار ضخم دون تفسير واضح لا يمثل فقط خسارة مادية محتملة، بل يضرب الإحساس بالعدالة لدى من يُطلب منه تحمل كلفة هذه المشاريع عبر المال العام والضرائب.
التنازل لا يغلق الملف
استمعت الشرطة إلى الممثل القانوني للشركة المالكة للحديد، قبل أن تقدم المؤسسة تنازلاً عن متابعة السائقين، غير أن التحريات لم تتوقف، وما زال البحث جارياً لتحديد ظروف خروج الحديد وكشف باقي المسؤوليات المحتملة.
فالتحقيق، في هذه المرحلة، هو الذي يفترض أن يحدد ما إذا كانت الواقعة تصرفاً فردياً معزولاً، أم أنها تكشف ثغرة أوسع في حكامة الأوراش الكبرى التي يُصرف عليها المال العام.





