الرئسيةسياسة

بنعبد الله: لا ديمقراطية حقيقية بالقوانين وحدها

في خضم النقاش المتجدد حول جدوى الانتخابات ومستقبل الحياة الحزبية في المغرب، أعاد الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، محمد نبيل بنعبد الله، طرح سؤال يتجاوز حدود القواعد القانونية المنظمة للاقتراع: هل تكفي القوانين لبناء انتخابات نزيهة ومشهد سياسي يحظى بثقة المواطنين؟

بالنسبة إلى بنعبد الله، الجواب واضح: لا. فوجود ترسانة قانونية متقدمة لا يضمن، في حد ذاته، ممارسة سياسية سليمة، ما لم تسندها إرادة سياسية حقيقية تتيح للأحزاب حرية الحركة، وتكفل لها شروطا متقاربة للتنافس، وتبعد عن المشهد كل ما من شأنه أن يوحي بأن النتائج محددة سلفا أو أن قواعد اللعبة ليست واحدة بالنسبة للجميع.

وقال بنعبد الله، خلال استضافته في برنامج «صدى الانتخابات» على قناة «ميدي 1 تيفي»، إن بناء فضاء سياسي قوي وذي مصداقية يتطلب قبل كل شيء إرادة سياسية قوية تضمن استقلالية الممارسة الحزبية، وتمنح مختلف التنظيمات فرصا متكافئة لاستقطاب المواطنين والتنافس على أصواتهم.

حين تصبح الانتخابات موضع شك

وحذر الأمين العام للتقدم والاشتراكية من أن انتشار الاعتقاد بأن نتائج الانتخابات «محسومة» أو أن مسارها «موجه» قد تكون له كلفة سياسية أكبر من مجرد انخفاض نسبة المشاركة.

فمثل هذا الشعور، وفق تصوره، يمكن أن يدفع المواطنين إلى الابتعاد عن صناديق الاقتراع، ويعمق المسافة بينهم وبين الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، سواء تعلق الأمر بالحكومة أو البرلمان أو الجماعات والمجالس الترابية.

ويرى بنعبد الله أن الديمقراطية لا تستقيم فقط بوجود انتخابات دورية، وإنما تحتاج إلى فضاء سياسي حي ومتعدد ومتنوع، يشعر فيه المواطن بأن صوته يمكن أن يحدث فرقا، وأن المنافسة بين المشاريع السياسية ليست مجرد واجهة شكلية.

المال لا يعوض السياسة

وفي حديثه عن شروط المنافسة الانتخابية، قدم بنعبد الله حزبه باعتباره طرفا يخوض السباق بإمكانات محدودة، معتمدا أساسا على مواقفه وبرنامجه واستقلالية قراره.

وانتقد في المقابل ما وصفه بالحضور اللافت لإمكانات مالية ضخمة في استحقاقات سابقة، مؤكدا أن التقدم والاشتراكية لا يراهن على القوة المالية، وإنما على ما يملكه من قدرات ذاتية وعلى برنامجه السياسي.

وبذلك يضع بنعبد الله قضية المال الانتخابي في صلب سؤال أوسع يتعلق بتكافؤ الفرص، إذ إن التنافس السياسي، في نظره، يفقد جزءا من معناه عندما تصبح الإمكانات المادية عاملا حاسما في الوصول إلى الناخبين والتأثير في اختياراتهم.

القانون تقدم.. لكنه ليس كافيا

وبخصوص المنظومة القانونية المؤطرة للانتخابات، أقر بنعبد الله بوجود تطور مقارنة بمراحل سابقة، مذكرا بأن الأحزاب شاركت في إعداد القواعد الانتخابية من خلال حوار تشاركي مع وزارة الداخلية.

كما سجل أن الوزارة، إلى حدود اللحظة، ملتزمة بالقوانين المنظمة للعملية الانتخابية.

لكن الأمين العام للتقدم والاشتراكية وضع حدا لأي قراءة تعتبر هذا التقدم القانوني ضمانة تلقائية لنزاهة العملية برمتها. فالمشاركة في صياغة القوانين، يوضح، لا تعني أن جميع مقترحات الأحزاب تم اعتمادها، كما أن وجود قوانين جيدة لا يعني أن «كل شيء على أحسن ما يرام».

ومن هنا يعود بنعبد الله إلى فكرته المركزية: القانون يوفر الإطار، لكن الإرادة السياسية هي التي تحدد كيف يمارس هذا الإطار على أرض الواقع.

دستور 2011 وسؤال التنافس

ويرى بنعبد الله أن المغرب راكم، خصوصا منذ دستور 2011، مكتسبات مهمة تسمح بتعايش مختلف التيارات السياسية داخل الإطار الدستوري والثوابت الوطنية.

غير أن الاتفاق حول هذه الثوابت، في نظره، لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتضييق مجال الاختلاف السياسي.

ويتساءل، في هذا السياق، عن سبب عدم ترك المجال أمام مختلف التيارات، من الاشتراكيين إلى الليبراليين والإسلاميين والوسطيين، لكي تتنافس بحرية، ما دامت تلتزم بالثوابت الوطنية والدستورية.

فالتعددية، بالنسبة إليه، لا تعني المساس بالثوابت، وإنما تعني السماح بتعدد التصورات والبرامج والاختيارات داخلها.

«الإشارات» التي تربك المشهد

ولم يخف بنعبد الله انتقاده لبعض ما وصفه بـ«الإشارات» التي يمكن أن تؤثر في الحياة السياسية والحزبية، خصوصا عندما تصدر في اللحظات الأخيرة.

ويرى أن مثل هذه الممارسات لا تساعد على بناء أحزاب قوية ومستقلة، ولا تساهم في خلق مناخ قادر على إنتاج مشاريع سياسية وتنموية حقيقية، كما أنها تضعف صورة المؤسسات السياسية أمام المواطنين.

وفي المقابل، لم يعف الأحزاب نفسها من المسؤولية، مشددا على ضرورة وجود تنظيمات سياسية مستقلة فعليا، قادرة على اتخاذ قراراتها وتحمل نتائجها أمام الرأي العام.

من يقود الحزب.. ومن يقرر؟

وفي انتقاده لواقع الاستقلالية الحزبية، استحضر بنعبد الله واقعة انتخابية سابقة اعتبر أنها تطرح أسئلة حول طبيعة القرار داخل بعض الأحزاب.

وتساءل، في هذا السياق، عما إذا كان من الطبيعي أن يشهد حزب يقود الحكومة تغييرا في قيادته «بين عشية وضحاها»، ثم يصبح الرئيس الجديد لذلك الحزب رئيسا للحكومة.

وبالنسبة إليه، فإن ممارسات من هذا النوع لا تظل محصورة داخل التنظيمات الحزبية، وإنما تمتد آثارها إلى صورة العمل السياسي برمته، خصوصا لدى الشباب والإعلاميين والمهنيين وباقي المواطنين الذين يبحثون عن مؤسسات وأحزاب واضحة في قراراتها ومستقلة في اختياراتها.

المعركة الحقيقية هي استعادة الثقة

في نهاية المطاف، يعيد بنعبد الله النقاش الانتخابي إلى سؤال الثقة.

فالمشكلة، كما يطرحها، ليست في عدد القوانين ولا في كثرة النصوص المنظمة للاستحقاقات، وإنما في مدى توفر الشروط السياسية التي تجعل المواطن مقتنعا بأن المنافسة حقيقية، وأن الأحزاب مستقلة، وأن صوته له معنى.

وبهذا المعنى، فإن الرهان لا يقتصر على تنظيم انتخابات في موعدها، وإنما على إعادة بناء فضاء سياسي قادر على إقناع المواطنين بالعودة إليه، وعلى جعل المؤسسات المنتخبة تعكس تعددية المجتمع وتنافس مشاريعه، بدل أن تتحول الانتخابات إلى مناسبة جديدة لتوسيع دائرة العزوف وفقدان الثقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى