الرئسيةرأي/ كرونيك

انتخابات 2026.. هل سلطة التعيين الملكية تدخل المعارضة إلى الحكومة؟

انتهينا في المقال السابق، إلى طرح السؤال: هل يمكن للملك محمد السادس أن يفتح بابا جديدا أمام المعارضة التي بقيت خارج التجربة الحكومية منذ اعتلائه العرش، وأن يجعل من المصالحة السياسية مع هذه القوى جزءا من معالجة أزمة الثقة والوساطة السياسية؟ وقد بيّنا الأسباب التي يجوز معها طرح هذا السؤال.

بقلم الصحافية هدى سحلي

وفي هذا المقال ننتقل إلى السؤال الذي لا يقل أهمية: كيف يمكن لهذا التناوب أن يحدث داخل النظام الدستوري والسياسي القائم، وما الذي يمكن أن يغيره فعليا في معنى المسؤولية السياسية؟

من تناوب 1998 إلى سؤال التناوب الثاني

فالتناوب الذي عرفه المغرب سنة 1998 لم يكن مجرد نتيجة انتخابية عادية، إنما جاء بعد سنوات من التفاوض بين المؤسسة الملكية والمعارضة التاريخية، وانتهى في فبراير 1998 إلى تعيين عبد الرحمن اليوسفي، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وزيرا أول، ثم تشكيل حكومة ضمت أحزاب الكتلة والوفاق، في ما سمي بتجربة «التناوب التوافقي».

ليس المطلوب إعادة إنتاج تلك التجربة كما كانت عليه، حيث تغير الإطار الدستوري: دستور 2011 جعل تعيين رئيس الحكومة مرتبطا بنتائج انتخابات مجلس النواب، إذ ينص الفصل 47 على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.

إلا أن ما يجري اليوم على مرأى ومسمع من الشعب ومعه رئيس الدولة، من خلال الحملة الانتخابية التي فضحت المستور بين أحزاب الأغلبية الحكومية نفسها: مشاريع قوانين، ومراسيم بغية تسهيل نهب شركات مملوكة لوزراء وبرلمانيين للملايير من المال العام، ناهيك عن تصريحات بوجود “تجار المخدرات” ضمن لوائح مرشحيها، مما يلزم معه فتح تحقيقات قضائية.

الخطير في كل هذا هو العودة الأكيدة لنفس الأشخاص لتصدر الانتخابات مرة أخرى وفرض نفسها، ليس عبر البرامج، بل عبر تحكمها في الخريطة الانتخابية بعدما لم تبد جهدا لإدماج الشباب بعد كل الوعود التي أسالت المداد عقب احتجاجات جيل Z… وعدم سعي الأحزاب السياسية إلى تسجيل ناخبين جدد، خوفا من تغيير نتيجة الانتخابات (المحسومة) سلفا، فمن بين 12 مليون ناخب غير مسجل في اللوائح الانتخابية تم تسجيل 450 ألف، أي ما يعادل 3%.

ما يعني أن مدخل التناوب اليوم، لا يمكن أن يكون مجرد توافق سياسي خارج نتائج الانتخابات، وإنما يجب أن يمر عبر إعطاء الانتخابات القدرة الفعلية على إنتاج حكومة مختلفة.

وهنا تكمن أهمية الحديث عن «التناوب الثاني».

التناوب الثاني: تغيير الحكومة لا تبديل الوجوه

فالمقصود ليس أن تُمنح لمعارضة اليوم الحكومة، وإنما أن تصبح قادرة على الوصول إليها عبر منافسة سياسية حقيقية، شفافة ونزيهة، وأن يصبح تغيير الأغلبية الحكومية نتيجة ممكنة لتغير اختيار الناخبين.

وبهذا يكون التناوب الثاني مختلفا عن تناوب 1998: الأول كان ثمرة توافق بين الملكية والمعارضة التاريخية، أما الثاني، إذا تحقق، فيفترض أن يكون أكثر ارتباطا بالانتخاب وبالمسؤولية السياسية التي تنتج عنه.

وهذا يحيلنا إلى طرح سؤال ثان: هل تملك الأحزاب السياسية، وخصوصا قوى اليسار غير الحكومي، القدرة على خوض هذه المنافسة؟

فالانتقال من المعارضة إلى الحكومة لا يمكن أن يقوم على الشرعية التاريخية وحدها، ولا على استثمار الغضب الاجتماعي وحده. المعارضة التي تريد أن تتحول إلى قوة حكومية مطالبة بأن تقدم نفسها باعتبارها بديلا في تدبير الدولة: برنامجا واضحا، وأغلبية قابلة للحكم، ونخبة قادرة على تحمل مسؤولية القرار، وتنظيم محكم، لا مجرد قوة قادرة على انتقاد الحكومة القائمة.

وفي المقابل، لا يمكن أن ينجح التناوب إذا بقيت الانتخابات عاجزة عن إنتاج فارق سياسي حقيقي. فإذا كان تغيير الحكومة لا يترتب عنه تغيير ملموس في موازين المسؤولية، وإذا كانت الأحزاب تتنافس أساسا على تنفيذ الخيارات الكبرى نفسها من دون أن يكون للناخب قدرة حقيقية على تغيير الجهة التي تتولى تدبيرها، فإن التناوب يتحول إلى مجرد تداول للأسماء داخل المجال الحكومي، لا تداول للمسؤولية السياسية.

من يحكم؟ ومن يتحمل المسؤولية؟

ومن هنا يصبح التحدي الحقيقي أمام التناوب الثاني هو إعادة توزيع المسؤولية السياسية بوضوح.

فإذا كانت الدولة، كما حاولنا أن نوضح في المقالات السابقة، تحدد اختيارات استراتيجية كبرى تتجاوز البرنامج الحكومي اليومي، فإن الحكومة يجب أن تمتلك في المقابل مجالا سياسيا واضحا تتحمل مسؤوليته أمام البرلمان والناخبين. وليس المطلوب هنا أن يتخلى الملك عن دوره أو أن تتحول الملكية إلى مؤسسة رمزية دفعة واحدة، وإنما أن يصبح واضحا أكثر من أي وقت مضى، من يختار، ومن ينفذ، ومن يتحمل المسؤولية أمام المواطنين عن النتائج.

دستور 2011.. هل فُتح طريق الملكية البرلمانية؟

وهذه المسألة ليست منفصلة عن النقاش الذي فتحه دستور 2011، وقبله حركة 20 فبراير، ثم بعد بسنوات في الحوار الذي أجرته وكالة فرانس برس سنة 2019 مع المستشارين الملكيين عبد اللطيف المنوني وعمر عزيمان بمناسبة الذكرى العشرين لتولي الملك محمد السادس العرش، جاء النقاش في سياق تقييم عشرين سنة من الحكم، والحديث عما تحقق وما لم يتحقق، وعن التحولات التي حملها دستور 2011 وموقع الأحزاب السياسية داخله.

وفي هذا السياق قال عزيمان إن مكانة الملك بقيت مركزية في الدستور الجديد، لكن مجالها أصبح «محدد المعالم» مقارنة بالدستور السابق، بينما أشار المنوني إلى أن دستور 2011 منح الأحزاب إمكانيات أكبر لفرض نفسها، غير أن التطور المنتظر على هذا المستوى لم يتحقق بعد في الواقع.

ثم جاء السؤال المباشر: هل يمكن تصور ملكية برلمانية في المغرب على النمط الأوروبي؟

هنا تحديدا تكمن أهمية التصريحين، إذ أكد عزيمان بأن المغرب ليس في نظام يشبه الملكية الإسبانية أو الهولندية «حيث يسود الملك دون أن يحكم»، وإنما هو في ظل «نظام ملكية من نوع آخر»، مع التأكيد على أن سلطات الملك محددة. أما المنوني فكان أكثر وضوحا في استشراف المسار، حين قال: «نحن على طريق ملكية برلمانية»، مضيفا أن بعض المقتضيات ما تزال تحتاج إلى التجويد.

التناوب الثاني كاختبار عملي

أهمية هذا الحوار لا تكمن في أن مستشارا ملكيا قال إن المغرب يسير نحو الملكية البرلمانية فحسب، وإنما في السياق الذي قيل فيه ذلك. فقد كان النقاش آنذاك حول حصيلة عشرين سنة من حكم محمد السادس، وحول دستور 2011 تحديدا، وحول ما إذا كانت الإمكانيات التي منحها للأحزاب قد تحولت فعلا إلى ممارسة سياسية جديدة. ولذلك فإن تصريح المنوني لا يمكن فصله عن ملاحظته السابقة بأن هذه الإمكانيات لم «تحقق بعد» التطور المنتظر بشأنها.

وهنا بالضبط يمكن أن نضع سؤال التناوب الثاني.

فإذا كان دستور 2011 قد وسع نظريا مجال اشتغال الأحزاب، وإذا كان أحد مستشاري الملك قد تحدث في 2019 عن المغرب باعتباره «على طريق ملكية برلمانية»، فإن السؤال بعد سنوات من ذلك لا ينبغي أن يكون: هل نريد ملكية برلمانية؟ بقدر ما ينبغي أن يكون: ما هي المراحل السياسية التي تجعل هذا المسار قابلا للتحقق؟

والتناوب الثاني يمكن أن يكون إحدى هذه المراحل.

ليس لأنه سيؤدي، بمجرد حدوثه، إلى ملكية برلمانية، وإنما لأنه سيختبر شيئا أكثر جوهرية: هل تستطيع الانتخابات أن تنتج بالفعل تغييرا في الحكومة؟ هل يستطيع حزب أو تحالف سياسي أن يصل إلى السلطة ببرنامج مختلف ثم يتحمل مسؤولية تنفيذه؟ وهل يستطيع البرلمان أن يتحول من فضاء لمناقشة السياسات العمومية إلى فضاء فعلي لصنع الأغلبية ومراقبة الحكومة ومحاسبتها؟

إذا تحقق ذلك، فإن العلاقة بين الملكية والحكومة ستصبح أكثر وضوحا: للملكية موقعها الدستوري واختصاصاتها واختياراتها الاستراتيجية، وللحكومة المنبثقة عن الأغلبية البرلمانية مجالها السياسي والتنفيذي ومسؤوليتها المباشرة أمام البرلمان والناخبين.

طريق مغربي نحو الملكية البرلمانية

وهنا يصبح الحديث عن «الملكية البرلمانية» أقل ارتباطا بنموذج أوروبي جاهز للاستنساخ، وأكثر ارتباطا بمسار مغربي يمكن أن يتطور تدريجيا من داخل مؤسساته. فحتى عزيمان، في الحوار نفسه، لم يقدم النموذج الإسباني أو الهولندي باعتباره النموذج الذي ينتمي إليه المغرب، بل شدد على خصوصية النظام المغربي وعلى تحديد سلطات الملك. أما المنوني فربط الوصول إلى الملكية البرلمانية بالحاجة إلى تجويد بعض المقتضيات.

ومن ثم، فإن التناوب الثاني لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد عودة لليسار إلى الحكومة، ولا باعتباره مكافأة سياسية لأحزاب المعارضة، وإنما باعتباره اختبارا لقدرة النظام السياسي على جعل التداول على المسؤولية الحكومية أمرا ممكنا وذا معنى.

وهذا هو الفارق بين تناوبين يفصل بينهما أكثر من ربع قرن: تناوب 1998 أدخل المعارضة التاريخية إلى الحكومة في إطار توافق سياسي أنهى مرحلة من الصراع السياسي؛ أما التناوب الثاني الذي نحتاجه اليوم، إذا كان سيحدث، فعليه أن ينقلنا من منطق إدماج المعارضة إلى منطق تداول المسؤولية.

التناوب الثاني.. من الأفق إلى المدخل العملي

عندها فقط يمكن أن يصبح السؤال عن الملكية البرلمانية سؤالا عمليا لا شعارا سياسيا. لهذا أقدر أن هذا المسار أو الأفق السياسي لا يبدأ بالضرورة بإعلان دستوري كبير، وإنما يمكن أن يبدأ من انتخابات لها نتائج سياسية فعلية، وحكومة تعرف مجال مسؤوليتها، وبرلمان قادر على إنتاج الأغلبية ومراقبة الحكومة، ومعارضة تمتلك مشروعا للحكم، وملكية تتطور علاقتها بالحكومة والبرلمان في اتجاه يجعل حدود الاختصاص والمسؤولية أكثر وضوحا، ونخبا سياسية قادرة على أن تقطع مع الممارسات السياسية السابقة وتتحمل مسؤوليتها كاملة دون الاختباء وراء القصر أو ما يسمون في المدلول السياسي ب«جيوب المقاومة/ العفاريت والتماسيح..».

وهنا قد يكون التناوب الثاني هو الحلقة السياسية التي تصل بين دستور 2011 والأفق الذي تحدث عنه المنوني: طريق ملكية برلمانية، باعتباره انتقالا تدريجيا من ملكية دستورية ذات حضور سياسي واسع إلى نظام تصبح فيه الحكومة المنبثقة عن الإرادة الانتخابية أكثر قدرة على الحكم، وأكثر تعرضا للمحاسبة، وأكثر ارتباطا بالبرلمان الذي منحها شرعيتها السياسية.

غير أن جعل التناوب الثاني مرتبطا فقط بتحول تدريجي في المناخ السياسي والمؤسساتي، وبإعادة بناء شروط المنافسة الحزبية والانتقال نحو الملكية البرلمانية، قد يجعله حلا مؤجلا إلى مدى متوسط أو بعيد. ولذلك، فإن التفكير في هذا الانتقال يحتاج أيضا إلى مدخل عملي يمكن أن يبدأ داخل الولاية الحكومية المقبلة، دون انتظار اكتمال جميع شروط التحول المؤسساتي.

التناوب المرحلي.. هل يبدأ من الحكومة المقبلة؟

ويتمثل هذا المدخل في تناوب مرحلي أو تمهيدي وعودة إلى المنهجية الديمقراطية، يقوم على إشراك أحزاب اليسار الموجودة خارج الحكومة حاليا في الحكومة التي ستتشكل عقب الانتخابات الجارية، وذلك لما للملك من حق في اختيار الوزراء المقترحين من قبل رئيس الحكومة المعين.

ليس باعتبارها مجرد إضافة عددية إلى الأغلبية، وإنما باعتبارها قوة سياسية تُسند إليها مسؤولية مباشرة عن قطاعات اجتماعية محددة، خاصة بالنظر إلى أن الدولة رصدت خلال السنوات الأخيرة موارد مالية وبرامج واسعة للدولة الاجتماعية، والحماية الاجتماعية، والصحة، والتعليم، ودعم الفئات الهشة، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية (مغرب السرعتين) التي لم تنجح جميع الحكومات المتعاقبة خلال 27 سنة من حله.

ومن هنا يمكن أن يكون إسناد الحقائب الاجتماعية إلى أحزاب يسارية غير حكومية، ذات خطاب تاريخي مرتبط بالعدالة الاجتماعية والدفاع عن الفئات الشعبية، بمثابة اختبار عملي لقدرتها على الانتقال من موقع النقد إلى موقع التدبير، وضمانا لاستفادة الشعب من نتائج هذه الأوراش، وفي الوقت نفسه اختبار لقدرة النظام السياسي على توسيع قاعدة المسؤولية الحكومية.

من المشاركة الحكومية إلى التناوب الكامل

وأشير إلى أن هذا المدخل لا يلغي التنافس السياسي، بل يمكن أن يمهد له، فإشراك اليسار في قطاعات اجتماعية محددة لا ينبغي أن يكون بديلا عن التناوب الكامل، وإنما مرحلة انتقالية تسمح بتجريب المسؤولية، وقياس النتائج، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والقوى السياسية والمجتمع.

ومن ثم، فإن التناوب الثاني يمكن التفكير فيه على مستويين متكاملين:

مستوى أول تكتيكي وآني، يتمثل في ما أسميته بـ”تناوب مرحلي” داخل الحكومة المقبلة، من خلال إسناد قطاعات اجتماعية ذات موارد وبرامج واضحة إلى أحزاب يسارية غير حكومية، بما يجعل مشاركتها مرتبطة بالإنجاز الفعلي ووصول السياسات إلى مستحقيها.

ومستوى ثان استراتيجي وتدريجي، يتعلق بإعادة بناء المناخ السياسي والمؤسساتي الذي يجعل التداول الحكومي قاعدة مستقرة، ويفتح الطريق تدريجيا نحو ملكية برلمانية تقوم على وضوح المسؤولية، وقوة البرلمان، وقابلية الحكومة للتغيير عبر الانتخابات.

بهذا الشكل، لا يعود التناوب الثاني مجرد أفق مؤجل، بل يصبح له مدخل قابل للبدء من الولاية المقبلة، دون أن يفقد معناه الأوسع باعتباره تحولا في طبيعة ممارسة السلطة وتداول المسؤولية السياسية.

السؤال الأصعب: تناوب على السلطة أم على المقاعد؟

والسؤال الذي يبقى بعد ذلك ليس فقط: هل يمكن أن يحدث التناوب الثاني؟ وإنما: هل تستطيع القوى السياسية أن تجعل منه تناوبا على السلطة الحكومية، لا مجرد تناوب على المقاعد الحكومية؟ وما مسؤولية الشعب في ذلك؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى