
لم يدخل عبد الإله بنكيران مهرجان العدالة والتنمية بأكادير ليشرح للمغاربة برنامجاً انتخابياً طويلا، بقدر ما دخله ليعيد فتح ملفات قديمة، ويصنع من «التحكم» خصما انتخابيا حاضرا، ويوزع نيران خطابه بين فاطمة الزهراء المنصوري وعزيز أخنوش وفوزي لقجع.
في الساعات الأخيرة من الحملة الانتخابية، اختار بنكيران رفع السقف إلى أقصاه: التطبيع، صناعة الزعماء، المال والنفوذ، الحكومة، الصفقات، سبتة، الوعود الاجتماعية، ثم «البام» و«الأحرار». وكل ذلك انتهى إلى رسالة واحدة لأنصاره: المعركة، في روايته، ليست فقط على المقاعد، وإنما على من يملك القرار السياسي.
المنصوري في مرمى التطبيع
أكثر أجزاء الخطاب إثارة كان موجهاً إلى فاطمة الزهراء المنصوري.
فبنكيران طالبها باتخاذ موقف واضح من الإعلامي أحمد الشرعي، على خلفية مواقف وتصريحات سابقة للأخير بشأن إسرائيل، وربط بين استمرار صمتها وبين الدعم الإعلامي الذي قال إن جهات مرتبطة بالشرعي تقدمه لترشيحها لرئاسة الحكومة.
ولم يكتف بنكيران بالتلميح، بل استخدم عبارة شديدة اللهجة، قائلاً إنه إذا لم ترد المنصوري على ما وصفه بـ«المتصهين»، فإنه سيعتبرها «مرشحة إسرائيل لرئاسة حكومة المغرب».
هنا لم يعد الخلاف مجرد سجال بين بنكيران والشرعي، بل تحول إلى اختبار سياسي للمنصوري نفسها: هل يمكن لشخصية تسعى إلى رئاسة الحكومة أن تستفيد من دعم جهة إعلامية من دون أن تتحمل سياسياً مسؤولية مواقفها؟
المنصوري ردت لاحقاً بأن الحزب لا يتحمل مسؤولية مواقف أو تصريحات أو اختيارات صادرة عن أطراف أخرى، واضعة المسؤولية على أصحابها.
«التحكم» يعود
لكن التطبيع لم يكن سوى مدخل إلى المعركة الأكبر في خطاب بنكيران: «التحكم».
عاد الرجل إلى قاموسه السياسي المفضل، مميزاً بين «الحكم» و«التحكم»، ومتهماً قوى لم يسمها مباشرة بمحاولة التأثير في إرادة الناخبين وتوجيه الحياة السياسية بعيداً عن صناديق الاقتراع.
وبلغة شعبوية ساخرة، حذر بنكيران المغاربة من الاعتقاد بأن بإمكانهم الابتعاد عن السياسة، قائلاً إن هؤلاء «لن يتركوهم»، وإن تأثيرهم قد يصل إلى الإعلام والتعليم وحتى إلى داخل الأسرة.
إنها عودة واضحة إلى أحد أكثر المفاهيم حضوراً في خطاب بنكيران السياسي: هناك، في تصوره، مؤسسات وأحزاب تتنافس في العلن، وقوى أخرى تتحرك خلف الستار لتحديد حدود اللعبة.
أخنوش.. الحساب القديم
بعد المنصوري، كان الدور على عزيز أخنوش.
بنكيران لم يكتف بانتقاد الحكومة وحصيلتها، بل فتح مجدداً ملف الطريقة التي تُصنع بها القيادات الحزبية، متسائلاً عن كيفية انتقال بعض الأسماء إلى واجهة المشهد السياسي.
كما أعاد توجيه اتهامات إلى رئيس الحكومة بشأن عدد من الملفات الاقتصادية والصفقات العمومية، مستحضراً قضية استيراد الأبقار والأغنام، التي وصفها بعبارات شديدة القسوة.
لكن هذه الاتهامات تظل، في جوهرها، جزءاً من السجال الانتخابي ما لم تسندها أحكام أو معطيات قضائية تثبت ما نُسب إلى الأشخاص المعنيين.
سبتة.. والوعود المنسية
لم يترك بنكيران للحكومة ملفاً اجتماعياً أو سياسياً تقريباً من دون استدعائه.
فقد عاد إلى مأساة سبتة، منتقداً تعامل رئيس الحكومة مع الأحداث، ومذكراً بوعد سابق يتعلق بمنح 1000 درهم شهرياً لمن تجاوزوا 65 سنة.
وبالنسبة لبنكيران، فإن المشكلة لا تكمن فقط في قيمة المبلغ، وإنما في الفارق بين الوعد الانتخابي وما تحقق على الأرض.
وهنا يضع «المصباح» خصمه أمام السؤال الذي يلاحق كل حكومة في نهاية ولايتها: ماذا تحقق من الوعود؟
لقجع يدخل اللعبة
حتى فوزي لقجع لم ينج من مدفعية بنكيران.
المفارقة أن بنكيران أكد أنه صديق شخصي له، قبل أن يفصل بين نجاحه في المجال الرياضي وقدرته على إدارة الشأن الحكومي.
فالسياسة، في نظر بنكيران، ليست كرة القدم، ونجاح المسؤول الرياضي لا يعني تلقائياً امتلاك مفاتيح تدبير الدولة.
ثم انتقل إلى حزب الأصالة والمعاصرة نفسه، مستخدماً أوصافاً قاسية، وموجهاً انتقادات حادة إلى قيادته وأعضائه.
«البام» تحت المجهر
الهجوم على الأصالة والمعاصرة لم يكن جديداً في خطاب بنكيران، لكنه في أكادير اتخذ طابعاً أكثر مباشرة.
فقد وصف الحزب بعبارات ساخرة، واتهم بعض أعضائه بأنهم يحملون حسابات داخلية ستنفجر في وقت لاحق، كما طالب رئيس الحزب باللجوء إلى القضاء بدل الاكتفاء بالردود السياسية والإعلامية.
والرسالة هنا واضحة: بنكيران يريد إعادة «البام» إلى موقع الخصم التاريخي للعدالة والتنمية، حتى وإن تغيرت الوجوه وتبدلت التحالفات.
من 2002 إلى اليوم
ولإثبات روايته عن «التحكم»، عاد بنكيران إلى تاريخ الحزب.
استحضر حصول العدالة والتنمية على 42 مقعداً في انتخابات 2002، معتبراً أن ذلك كان لحظة دفعت قوى سياسية إلى التحرك بهدف الحد من تمدد الحزب.
ثم أعاد سرد محطات تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة وصعود فؤاد عالي الهمة، واضعاً كل ذلك ضمن رواية سياسية واحدة عنوانها: كيف جرت محاولة تطويق الإسلاميين كلما اقتربوا من توسيع نفوذهم الانتخابي؟
وهي رواية سياسية يتبناها بنكيران، بينما تحتاج تفاصيلها التاريخية والسياسية إلى تفكيك مستقل بعيداً عن الخطاب الانتخابي.
«المصباح» يريد معركة أكبر
ما يلفت في خطاب أكادير أن بنكيران لا يقدم الانتخابات باعتبارها مجرد تنافس على المقاعد.
إنه يحاول رفعها إلى مستوى معركة حول طبيعة القرار السياسي نفسه.
ولهذا تتجاور في خطابه كلمات مثل «التحكم» و«التطبيع» و«الفساد» و«المال» و«الإعلام» و«الحكومة»، وكأنها حلقات في سلسلة واحدة.
وفي المقابل، يقدم العدالة والتنمية باعتباره الطرف الذي يريد إعادة القرار إلى الناخب.
النهاية.. طلب التصويت
بعد كل هذا التصعيد، عاد بنكيران إلى أبسط رسالة انتخابية: صوّتوا للعدالة والتنمية.
فالرجل الذي وصف نفسه بأنه ليس مرشحاً لمنصب، وإنما للاستمرار في العمل النضالي، طلب من المغاربة دعم «المصباح»، مقدماً الحزب باعتباره عنواناً للنزاهة والمصداقية في مواجهة ما وصفه بالفساد والتحكم والافتراس.
وهكذا انتهى مهرجان أكادير كما بدأ: ليس ببرنامج تقني طويل، وإنما بمعركة سياسية مفتوحة.
بنكيران أعاد «التحكم» إلى واجهة الحملة، ووضع المنصوري في زاوية التطبيع، وأخنوش أمام حصيلة حكومته، ولقجع أمام سؤال الانتقال من الرياضة إلى السياسة، ثم طلب من الناخبين أن يحسموا لصالح «المصباح».
لكن بين حرارة المنصة وبرودة صندوق الاقتراع مسافة لا تقطعها الخطب وحدها.





