الرئسيةسياسة

النساء يسألن الأحزاب: وماذا بعد 23 شتنبر؟

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر الجاري، دخلت قضايا المساواة بين النساء والرجال والمناصفة السياسية إلى صلب النقاش الانتخابي، بعدما كشفت فدرالية رابطة حقوق النساء، بشراكة مع مركز الإعلام والرصد للنساء المغربيات، عن نتائج بارومتر خاص بتتبع التزامات الأحزاب السياسية تجاه حقوق النساء.

البارومتر، الذي شمل برامج تسع تشكيلات سياسية، لا يقوم على منح نقط أو ترتيب الأحزاب، وإنما يسعى إلى قراءة مضامين برامجها ومقارنتها بالمرجعية الدستورية وبالالتزامات المتعلقة بالمساواة وفعلية الحقوق، مع طرح سؤال أساسي: إلى أي حد تتحول الوعود الانتخابية المتعلقة بالنساء إلى التزامات واضحة وقابلة للقياس والتنفيذ؟

تسعة أحزاب تحت المجهر

وشملت عملية الرصد برامج التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، والحركة الشعبية، والعدالة والتنمية، وتحالف اليسار، والاتحاد الدستوري.

وتنطلق المبادرة من الفصل 19 من الدستور الذي ينص على تمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، مع سعي الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة.

وبالنسبة للفدرالية، فإن مسؤولية الأحزاب لا تتوقف عند تقديم وعود انتخابية، بل تشمل أيضاً مسؤوليتها التشريعية والسياسية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتحويل مبدأ المساواة الدستورية إلى قوانين وسياسات عمومية فعلية.

مدونة الأسرة في قلب الاختبار

أولى البارومتر أهمية كبيرة لمدونة الأسرة، في ظل استمرار النقاش المجتمعي والسياسي حول إصلاحها.

وشملت عملية الرصد عدداً من القضايا، من بينها زواج القاصرات، والتعدد، والولاية والسلطة الأبوية، والحضانة، والنسب، والطلاق والحماية الاقتصادية للنساء، والعمل المنزلي، والذمة المالية والأموال المكتسبة، والإرث، فضلاً عن العلاقة بين قانون الأسرة والقانون الجنائي وحماية الأطفال والولوج إلى العدالة.

وأظهرت القراءة وجود تفاوت بين الأحزاب في طريقة تناول هذه الملفات، بين برامج تتضمن تصورات أكثر شمولاً لإصلاح مدونة الأسرة، وأخرى تتناول بعض القضايا بشكل جزئي، دون تقديم تصور متكامل بشأن مختلف مظاهر التمييز داخل الأسرة.

وتطرح هذه الخلاصات سؤالاً أكبر حول قدرة البرامج الانتخابية على الانتقال من اللغة العامة حول حماية الأسرة إلى مقترحات تشريعية دقيقة تحدد بوضوح الحقوق والالتزامات وآليات التنفيذ.

المناصفة.. هل يكفي عدد المرشحات؟

لم يكتف البارومتر برصد حضور النساء داخل اللوائح الانتخابية، بل حاول توسيع النقاش نحو موقع النساء داخل المنافسة السياسية نفسها.

وتشير المعطيات التي قدمتها الفدرالية إلى تسجيل 2658 ترشيحاً نسائياً على المستوى الوطني، من بينها 875 ترشيحاً في الدوائر المحلية، فيما ترأست النساء 121 لائحة محلية.

غير أن ارتفاع عدد الترشيحات لا يعني بالضرورة تحقيق المناصفة الفعلية، وهو ما يدفع إلى طرح أسئلة حول طبيعة المواقع التي تمنح للنساء، ومدى قابليتها للفوز، ومعايير التزكية، والتمويل، والتكوين، والحماية من العنف السياسي والرقمي.

فالمشاركة النسائية، وفق هذا المنظور، لا ينبغي أن تختزل في ملء اللوائح، وإنما تقاس أيضاً بمدى وصول النساء إلى مواقع القرار والتأثير داخل المؤسسات المنتخبة والأحزاب.

العمل والتمكين الاقتصادي

خصص البارومتر حيزاً مهماً لمشاركة النساء في سوق الشغل، خاصة في ظل الهدف الوطني الرامي إلى رفع معدل نشاط النساء إلى 45 في المائة في أفق 2035.

وسجلت القراءة تفاوتاً في الأهداف الرقمية التي أعلنتها بعض الأحزاب. فقد حدد الأصالة والمعاصرة هدفاً في حدود 21.2 في المائة في أفق 2031، بينما حدد التقدم والاشتراكية نسبة 25 في المائة، في حين تحدث الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عن أكثر من 30 في المائة.

لكن البارومتر لم يتوقف عند الأرقام، بل نظر أيضاً في الوسائل المقترحة لتحقيق مشاركة اقتصادية أكبر للنساء، ومنها الحضانات، واقتصاد الرعاية، والمساواة في الأجور، ودعم المقاولات النسائية، والتمويل، والصفقات العمومية، والعودة إلى سوق الشغل، وتحسين ظروف العمل والتنقل، خصوصاً في العالم القروي.

الذكاء الاصطناعي والمناخ.. تحديات جديدة للنساء

وفتح البارومتر أيضاً النقاش أمام تحديات جديدة لا تبدو دائماً حاضرة بالقدر الكافي في الخطاب الانتخابي، خصوصاً تأثير الذكاء الاصطناعي والتحولات المناخية والمنافسة الدولية على مستقبل النساء في سوق العمل.

وتطرح الفدرالية سؤالاً حول مصير النساء العاملات في قطاعات ومهن قد تتأثر بهذه التحولات، وحول مدى استعداد الأحزاب لاقتراح برامج للتكوين وإعادة التأهيل المهني حتى لا تتحول التحولات الاقتصادية والتكنولوجية إلى مصدر جديد للإقصاء.

العنف السياسي والرقمي

لم يغفل البارومتر كذلك ظاهرة العنف الذي تتعرض له النساء في المجال العام، بما في ذلك العنف السياسي والانتخابي والرقمي.

وترى الفدرالية أن مواجهة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تقتصر على التنديد، وإنما تحتاج إلى آليات واضحة للحماية والتبليغ وجبر الضرر والمواكبة، بما يسمح للنساء بمواصلة مشاركتهن في الحياة السياسية دون أن تتحول الحملات الرقمية إلى وسيلة لإقصائهن أو ترهيبهن.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة خلال الفترات الانتخابية، حيث تتعرض المرشحات والفاعلات السياسيات لحملات تنمر وتشويه تستهدف أحياناً حياتهن الخاصة بدل مناقشة مواقفهن وبرامجهن السياسية.

من البرامج إلى المحاسبة

الرهان الأساسي الذي يطرحه البارومتر لا يتعلق فقط بما تقوله الأحزاب خلال الحملة الانتخابية، وإنما بما سيحدث بعد الانتخابات.

فكل التزام انتخابي، لكي يتحول إلى سياسة عمومية، يحتاج إلى جهة مسؤولة عن التنفيذ، وموارد مالية وبشرية، وجدول زمني، ومؤشرات لقياس النتائج، وآليات للتقييم والمساءلة.

ومن هنا تبرز أهمية تتبع الوعود الانتخابية المتعلقة بالنساء بعد تشكيل المؤسسات الجديدة، حتى لا تبقى المساواة والمناصفة مجرد عناوين انتخابية تستحضر خلال الحملات ثم تتراجع عند الانتقال إلى مرحلة التدبير والتشريع.

وفي هذا السياق، يطرح البارومتر ستة أسئلة مركزية حول مستقبل مشاركة النساء الاقتصادية، وإعادة تأهيل العاملات المتضررات من التحولات الاقتصادية والمناخية والتكنولوجية، وضمان مسار متكامل للخروج من العنف، وتعزيز الصحة النفسية والاجتماعية للنساء، وقياس المناصفة داخل المنافسة السياسية ومواقع القرار، ثم الانتقال من الالتزامات الانتخابية إلى نتائج عمومية قابلة للقياس.

وبذلك، لا يقدم البارومتر مجرد قراءة للبرامج الانتخابية، بل يفتح الباب أمام مرحلة أخرى من المساءلة، يكون فيها السؤال الأهم بعد الانتخابات ماذا قالت الأحزاب للنساء قبل الاقتراع، وماذا ستفعل فعلياً بعد الوصول إلى المؤسسات؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى