
لم يضع النقيب عبد الرحيم الجامعي قضية قانون المحاماة في إطارها المهني والتقني فقط، بل أعادها إلى أصلها السياسي: أيّ طبقة سياسية تصنع القوانين؟ وبأي عقلية؟ ولأي غاية؟
في رسالة وجهها إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش ومكونات حكومته، يذهب الجامعي إلى أن القانون لا يمكن فصله عن الجهة التي صاغته والظرف السياسي الذي خرج منه.
وبمنطق يقلب السؤال رأسا على عقب، يطرح: كيف يمكن لأغلبية تتطاحن مكوناتها في الحملة الانتخابية، ويفضح بعضها بعضا، وتظهر من داخلها اتهامات تتعلق بسوء التدبير وتضارب المصالح والمال العام، أن تقدم نفسها باعتبارها قادرة على إصلاح التشريع، وفي مقدمته قانون ينظم مهنة لها علاقة مباشرة بالعدالة وحقوق المواطنين؟
عندما تتحول الحملة الانتخابية إلى دفتر اتهامات
يرى الجامعي أن ما يجري خلال الحملة الانتخابية لم يعد مجرد تنافس بين أحزاب حول البرامج، بل تحول في حالات عديدة إلى مواجهة بين مكونات الأغلبية نفسها، يكشف فيها كل طرف عن اختلالات الطرف الآخر.
وهنا تكمن المفارقة التي يضعها النقيب في صلب رسالته: إذا كانت مكونات الأغلبية نفسها تقدم، عبر صراعاتها الانتخابية، صورة عن سوء التدبير وتضارب المصالح والتنافس على النفوذ والمال، فبأي منطق يمكن أن تتحول هذه الأغلبية إلى مرجعية لإصلاح القوانين؟
فالقوانين، بحسب هذه القراءة، ليست أوراقا تقنية تُصاغ داخل مكاتب الحكومة، وإنما تعبير عن فلسفة سياسية وعن موازين القوة وعن طبيعة العلاقة بين السلطة والمؤسسات والمجتمع.
من يفضح الاختلالات.. هل يستطيع إنتاج الإصلاح؟
الجامعي يضع الحكومة أمام مفارقة سياسية صارخة: الطرف الذي تكشف حملته الانتخابية، من داخله، عن أعطاب التدبير، هو نفسه الطرف الذي يريد أن يقنع المغاربة بأن قوانينه تمثل الإصلاح.
ومن هنا، لا يرى الجامعي أن أزمة قانون المحاماة يمكن اختزالها في خلاف بين المحامين ووزارة العدل، بل يعتبرها انعكاسا لأزمة أعمق تتعلق بطريقة صناعة القرار التشريعي نفسه.
فحين تتسع دائرة الاتهامات بشأن تضارب المصالح، وحين يصبح المال العام موضوعا للتراشق السياسي، وحين تستخدم مكونات الأغلبية بعضها بعضا لكشف اختلالات التدبير، فإن السؤال لا يعود فقط: ماذا يقول القانون؟ بل يصبح أيضا: من كتب القانون؟ وتحت أي مناخ سياسي؟
قانون المحاماة.. الخلاف يتجاوز مواد القانون
ويعتبر النقيب عبد الرحيم الجامعي أن قانون المحاماة جاء في مناخ سياسي لا يساعد، في نظره، على إنتاج تشريع متوازن يحمي استقلال المهنة ويصون حقوق المتقاضين.
ويهاجم الجامعي بشكل خاص ما يعتبره تقليصا لصلاحيات هيئات المحامين وتوسيعا لنفوذ السلطة التنفيذية، محذرا من أن يؤدي ذلك إلى إضعاف استقلالية الدفاع وإرباك العلاقة بين المحاماة والقضاء.
وبالنسبة إليه، فإن المسألة ليست صراعا على امتيازات مهنية، وإنما معركة حول موقع الدفاع داخل منظومة العدالة، وحول ما إذا كان المحامي سيظل شريكا مستقلا في إقامة العدل أم سيتحول تدريجيا إلى جزء من منظومة إدارية تتحكم فيها السلطة التنفيذية.
الجامعي لأخنوش: المشكلة ليست في المحامين فقط
في رسالته، يوجه الجامعي انتقادات مباشرة إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، محملا حكومته مسؤولية سياسية عن الطريقة التي عولج بها ملف المحاماة.
ولا يكتفي النقيب بانتقاد مضمون القانون، بل يضع أداء الحكومة بأكمله تحت المجهر، مستحضرا ما يعتبره تراكمات في تدبير الشأن العام، وما كشفته الحملة الانتخابية من صراعات واتهامات متبادلة بين مكونات الأغلبية.
وبذلك ينتقل الجامعي من سؤال «هل قانون المحاماة صالح أم فاسد؟» إلى سؤال أكثر إحراجا: «هل البيئة السياسية التي أنتجت القانون مؤهلة أصلا لإنتاج إصلاح تشريعي حقيقي؟»
التطاحن داخل الأغلبية.. أكثر من مجرد صراع انتخابي
المفارقة التي تبرزها رسالة الجامعي أن الصراع الانتخابي بين مكونات الأغلبية لا يضر فقط بصورة الحكومة، وإنما يطرح أيضاً سؤالا حول المسؤولية السياسية لمن كان طوال الولاية جزءا من القرار.
فإذا كانت الاتهامات المتبادلة بين حلفاء الأمس صحيحة، فإن المسؤولية لا يمكن أن تُلقى على طرف واحد فقط. وإذا كانت غير صحيحة، فإن استعمالها في الحملة الانتخابية يطرح بدوره سؤالا حول مصداقية الخطاب السياسي.
وفي الحالتين، يصبح المواطن أمام معادلة صعبة: أغلبية تدافع عن حصيلتها، وفي الوقت نفسه تكشف مكوناتها عن اختلالات داخلية؛ وحكومة تقدم قوانينها باعتبارها إصلاحا، فيما يرفضها قطاع مهني واسع ويعتبرها مساسا باستقلاليته.
هل يمكن لمنظومة مختلة أن تنتج قانونا يصلحها؟
هنا يصل الجامعي إلى جوهر موقفه: القوانين الرائدة، في نظره، تحتاج إلى سياسيين قادرين على حمل مشروع إصلاحي حقيقي، وليس فقط إلى أغلبية تمتلك العدد الكافي لتمرير النصوص.
فالأغلبية البرلمانية تستطيع تمرير قانون، لكن تمرير القانون لا يعني بالضرورة تحقيق الإصلاح.
والفرق بين الأمرين، في هذه الحالة، هو بالضبط ما يضعه النقيب أمام الحكومة: هل المطلوب مجرد تشريع جديد للمحاماة، أم إصلاح حقيقي يضمن استقلال المهنة واستقلال القضاء وحقوق المتقاضين؟
«المحاكمة الوطنية» للحكومة
ولم يقف الجامعي عند حدود انتقاد القانون، بل دعا هيئات المحامين إلى تنظيم ما سماه «محاكمة وطنية» للحكومة ومكوناتها، لكشف ما يعتبره مسؤوليات سياسية في حق المحاماة والعدالة والوطن.
كما دعا المؤسسات المختصة إلى التعامل مع ما يثار من ملفات ووثائق وشهادات وتسجيلات، وفتح التحقيقات اللازمة، حتى لا تنتهي الاتهامات المتبادلة بانتهاء الحملة الانتخابية.
وهنا تبرز نقطة أساسية: الاتهام السياسي ليس حكما قضائيا، والتحقيق وحده يمكن أن يحدد ما إذا كانت الادعاءات المتعلقة بالفساد أو تضارب المصالح أو الإضرار بالمال العام تستند إلى وقائع ثابتة أم أنها جزء من الصراع الانتخابي.
السؤال الذي تركه الجامعي مفتوحا
في نهاية المطاف، تعيد رسالة عبد الرحيم الجامعي النقاش إلى ما هو أبعد من قانون المحاماة.
إنها تضع أمام المغاربة سؤالا سياسيا بسيطا لكنه ثقيل: إذا كانت مكونات الأغلبية نفسها تتبادل الاتهامات وتكشف عيوب تدبير بعضها البعض، فهل يكفي امتلاك الأغلبية العددية لإنتاج قوانين تستحق فعلا اسم الإصلاح؟
ذلك أن المشكلة قد لا تكون فقط في القانون الذي صدر، وإنما في المنظومة السياسية التي تصنع القوانين، وفي المصالح التي تتقاطع داخلها، وفي القدرة على تحويل التشريع من أداة لتدبير السلطة إلى وسيلة لحماية الحقوق والحريات واستقلال المؤسسات.
ومن هذه الزاوية، تصبح أزمة قانون المحاماة مرآة لأزمة أكبر: حين تتطاحن الأغلبية وتفضح نفسها، فإن أول ما يجب أن يخضع للمساءلة ليس القانون وحده، بل الطريقة التي صُنع بها ومن صنعه.





