
كوكاس يكتب: رئيس حكومة في قاع الفنجان
بقلم: الكاتب والإعلامي عبدالعزيز كوكاس
في المغرب، صار لبعض الصحافيين اختصاص دستوري مستعجل: تعيين رئيس الحكومة قبل الملك، ثم إعفاؤه قبل أن يجف الحبر الذي عُيّن به. يشرب المرشح قهوة الصباح رئيسًا، ويتناول غداءه رئيسا سابقًا، ويكتشف مساءً أنه لم يكن سوى «اسم مطروح بقوة».
قوة ماذا؟ قوة العنوان، طبعًا؛ أما المعلومة فكانت في عطلة، والمصدر المطلع أغلق هاتفه وعاد إلى قاع الفنجان.
في بورصة الأسماء التي تصفها هذه الحمى، مرة عبد اللطيف وهبي، ومرة فاطمة الزهراء المنصوري، ومرة الشيخ بيد الله، ثم محمد بنسعيد وفوزي لقجع. تتغير الوجوه وتبقى النبوءة ثابتة: «غدًا»، «خلال ساعات»، «بعد لحظات». لم يبق إلا فتح باب الترشيح للموتى؛ فهم، على الأقل، لن يتصلوا بهيئة التحرير لنفي الخبر، ولن يفسدوا على الموقع متعة الانفراد بمصادر من العالم الآخر.
حين تعيّن الصحافة رئيس الحكومة
أعذر الباحثين عن البوز، أفهم جوع المهنة حين تشح المعلومة وتفيض المطالب بالنشر في حالة “لا خبر في البلد”. لكن فهم الجوع لا يجعل بيع الهواء خبزًا. توجد أخبار في المستشفيات والمدارس والمحاكم والقرى.. غير أن الوصول إليها يتطلب عملًا، بينما تعيين رئيس حكومة يحتاج صورة جاهزة وفعلًا في المستقبل ومصدرًا لا يعرفه حتى محرر الخبر.
المشكلة أعمق من استعجال الصحافي، يعود الأمر في تقديري إلى اقتصاد كامل يكافئ الإثارة فورًا، ويؤجل محاسبة الخطأ إلى يوم لا يأتي. هكذا يحتفظ المنجم بعصمته: إصابته دليل قربه من القرار، وخطؤه دليل أن القرار تبدل سرًا. وحده القارئ مطالب بالدفع في الحالتين.
حين ترتدي الإشاعة ربطة عنق
ويزداد الأمر سوءًا حين تنساق منابر محترمة إلى الطقس نفسه. فالإشاعة تدخلها حافية وتخرج مرتدية ربطة عنق. يكفي أن تتحول «قالوا» إلى «ترجح مصادر»، وأن تلحق بها فقرة عن «تعقيدات المرحلة»، حتى تحصل على شهادة ميلاد مهنية. ثم ينقل موقع عن آخر، ويصبح الصدى تعددًا للمصادر، ويعود الكلام إلى صاحبه شاهدًا على صحته. إنها غسالة أخبار، تدور فيها الجملة حتى تنسى أصلها.
أما الدستور، فيبدو ضيفًا ثقيلًا على هذه السهرة. فالفصل السابع والأربعون يربط التعيين الملكي بتصدر الحزب انتخابات مجلس النواب ونتائجها. لكن صحافة الفنجان تختصر المسار في اسم يمتلك جاذبية الإثارة. وبذلك تدرب الجمهور على اعتبار السياسة انتظارًا لاختيار الأشخاص، بدل مساءلة البرامج والتحالفات والمسؤوليات.
بين جس النبض وثرثرة الفنجان
وقد تكون لبعض التسريبات وظيفة تتجاوز ملء الفراغ: جس نبض الجمهور، وقياس اعتراض النخب وفتح شهيتها، وتقديم اسم إلى التداول أو إنهاكه قبل أوانه. تُلقى ورقة هنا، وتحترق أخرى هناك. ومع ذلك فاعتبار كل إشاعة خطة محكمة يمنح الثرثرة ذكاءً قد لا تملكه. أحيانًا لا يوجد مهندس خلف الستار، بل صحافي ينقل عن سياسي يتمنى، وسياسي يستشهد بصحافي نقل أمنيته.
ليس مطلوبًا من الصحافي أن يعرف الغيب، يكفي أن يعرف حدود معرفته. أن يميز بين معلومة وتوقع ورغبة مسربة، وأن يصحح خطأه بوضوح عنوانه الأول. أما خط الرمل وقراءة عظم الكتف والفنجان والكارطة… فلها أصحابها. وإذا أصرت هيئة التحرير على منافستهم، فلتكتب تحت اسمها شعار: “نعيّن رئيس الحكومة طوال الأسبوع، والتصحيح عند ظهور الهلال”.





