
في مداخلتها، اليوم الخميس 22 أكتوبر 2026، بمجلس النواب، خلال مناقشة البرنامج الحكومي، رسمت نبيلة جلال، منسقة تحالف اليسار ورئيسة مجموعته النيابية، ملامح معارضة تربط تقييم السياسات الحكومية بمدى احترام الحقوق والحريات، وتحسين الأوضاع الاجتماعية، وإصلاح المؤسسات، وامتدت انتقاداتها من ملف المعتقلين السياسيين والتطبيع مع إسرائيل إلى التشغيل والقدرة الشرائية ومحاربة الفساد، مع تقديم مقترحات تشريعية ومؤسساتية بديلة.
العفو الشامل في مواجهة صمت البرنامج الحكومي
ووضعت جلال غياب ملف المعتقلين السياسيين عن التصريح الحكومي ضمن النقاط التي تستوجب المساءلة، معلنة توجه تحالف اليسار نحو تقديم مقترح قانون للعفو العام الشامل، يشمل معتقلي حراك الريف وشباب جيل «Z»، إلى جانب المدونين والنقابيين وناهضي التطبيع، وفق ما جاء في مداخلتها.
وبهذا الموقف، أعادت منسقة التحالف طرح سؤال الحريات العامة في صلب النقاش حول البرنامج الحكومي، داعية إلى معالجة الملفات الحقوقية بما يفتح المجال أمام انفراج سياسي، ويعزز ضمانات التعبير والاحتجاج والمشاركة في الحياة العامة.
فلسطين والتطبيع.. خلاف يتجاوز الدبلوماسية
وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، واجهت جلال الاختيارات الحكومية المرتبطة بالتطبيع مع إسرائيل بموقف رافض، مطالبة بتجريم التطبيع وإلغاء الاتفاقيات المبرمة مع إسرائيل، ومؤكدة ضرورة مساندة الشعب الفلسطيني والدفاع عن حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
ويكشف هذا المحور عن تباين سياسي واضح بين تصور تحالف اليسار للسياسة الخارجية والموقف الذي تنتقده المنسقة، إذ لا تنظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها مجرد ملف دبلوماسي، بل قضية سياسية وحقوقية تستدعي، في نظرها، مراجعة الاختيارات القائمة.
خمسة ملفات لامتحان الحصيلة الحكومية
على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، اختبرت جلال البرنامج الحكومي من خلال خمسة ملفات أساسية: التشغيل، والقدرة الشرائية، والصحة والتعليم، والعدالة الجبائية، ومكافحة الفساد.
وفي هذا السياق، شددت على أن التعهدات المتعلقة بخفض البطالة وتحسين ظروف عيش الأسر لا تكفي وحدها لإثبات نجاعة السياسات العمومية، ما لم تترجم إلى فرص شغل فعلية، وتحسن ملموس في مداخيل المواطنين، وخدمات صحية وتعليمية تستجيب لحاجياتهم.
كما أثارت مسألة توزيع العبء الضريبي، داعية إلى نظام جبائي أكثر إنصافاً، بالتوازي مع التصدي للفساد وتضارب المصالح. وهي ملفات تجعل الاختبار الحقيقي للحكومة، وفق هذا الطرح، مرتبطاً بما ستنجزه على أرض الواقع، لا بما تتضمنه وثائقها من وعود والتزامات.
استقلال القضاء ونزاهة الانتخابات وتجريم الإثراء غير المشروع
ولم تقتصر مداخلة منسقة تحالف اليسار على نقد التوجهات الحكومية، بل شملت حزمة من المقترحات الرامية إلى تغيير قواعد التدبير المؤسساتي. فقد دعت إلى توسيع ضمانات الديمقراطية البرلمانية، وترسيخ استقلال القضاء ونزاهته، وإحداث هيئة مستقلة للانتخابات.
كما طالبت بإقرار قانون يجرّم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، إلى جانب تعديل قانون مهنة المحاماة بما يحمي استقلال الدفاع ويصون حقوق المتقاضين.
وفي الشق الاجتماعي، أثارت إصلاح نظام التقاعد، مؤكدة ضرورة أن يقوم على تمويل عادل يضمن للمتقاعدين معاشات تحفظ كرامتهم، بدل تحميلهم تبعات اختلالات المنظومة.
وتجمع هذه المطالب بين إصلاح المؤسسات ومحاصرة تضارب المصالح وتعزيز الشفافية، في تصور يجعل ربط المسؤولية بالمحاسبة مدخلاً ضرورياً لأي تغيير في السياسات العمومية.
رفض البرنامج وفتح جبهة الرقابة البرلمانية
تضع مداخلة نبيلة جلال الحكومة أمام مواجهة سياسية تتجاوز تقييم أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية، لتشمل طبيعة الاختيارات الحقوقية والمؤسساتية والدبلوماسية التي تدافع عنها.
ومن خلال الجمع بين المطالب الحقوقية والمقترحات التشريعية والانتقادات الاجتماعية، يقدم تحالف اليسار نفسه، في هذه المناقشة، باعتباره قوة معارضة تسعى إلى تحويل الخلاف مع الحكومة إلى ملفات محددة للمساءلة والرقابة البرلمانية.
ويظل التحدي أمام هذه المعارضة هو نقل هذه المطالب من منصة النقاش إلى ممارسة رقابية وتشريعية مستمرة، تجعل تنفيذ الالتزامات الحكومية موضع تتبع، وتضع المسؤولين أمام مسؤولياتهم في القضايا التي تمس الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية.





