
اعتبرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن التصريحات التي أدلى بها المستشار البرلماني والكوميسير السابق محمود عرشان، خلال مناقشة البرنامج الحكومي بمجلس المستشارين، تمس بذاكرة ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وبمعاناة عائلاتهم، وتعيد إلى الواجهة النقاش حول سبل التعامل مع إرث سنوات الرصاص، وحدود المصالحة في غياب المساءلة والمحاسبة.
وفي موقف عبّرت عنه في بيان لمكتبها المركزي، انتقدت الجمعية الطريقة التي استحضر بها عرشان ماضيه خلال تدخله البرلماني، معتبرة أن ما صدر عنه ينطوي على استخفاف بآلام الضحايا وتحدٍّ لمشاعرهم وللحركة الحقوقية، ومحذرة من تداعيات منح الشرعية السياسية والمؤسساتية لشخصيات ارتبطت، وفق توصيفها، بملفات الانتهاكات التي شهدها المغرب خلال العقود الماضية.
درب مولاي الشريف.. ذاكرة التعذيب التي لا تقبل المحو
وربطت الجمعية موقفها بالسجل الحقوقي المرتبط بالمعتقل السري السابق «درب مولاي الشريف»، الذي وصفته بأنه أحد أبرز فضاءات الاعتقال والتعذيب خلال سنوات الرصاص، مشيرة إلى ما تعرض له مئات المناضلين من ممارسات حاطة بالكرامة الإنسانية، وإلى وفاة عدد منهم في ظروف مرتبطة بتلك الانتهاكات.
وأكدت الهيئة الحقوقية أن محاولات إعادة تقديم شخصيات ارتبطت بهذه المرحلة بصورة مغايرة، أو إضفاء طابع الشرعية على ماضيها من خلال مواقع سياسية ومؤسساتية، لا يمكن أن تلغي ما تختزنه الذاكرة الجماعية من شهادات ومعاناة، ولا أن تنتقص من حقوق الضحايا في الحقيقة والإنصاف وجبر الضرر.
صمت المؤسسات يثير أسئلة المساءلة
ووجّهت الجمعية انتقادات إلى ما اعتبرته غياب رد فعل رسمي إزاء تصريحات عرشان، واضعة رئاسة الحكومة والمجلس الوطني لحقوق الإنسان أمام مسؤولياتهما في صون الذاكرة الحقوقية ومتابعة تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة.
ورأت أن عدم اتخاذ موقف من هذه التصريحات يطرح تساؤلات بشأن مدى الالتزام المؤسساتي بمناهضة الإفلات من العقاب، وبشأن مصير التوصيات المرتبطة بكشف الحقيقة وترسيخ ضمانات عدم تكرار الانتهاكات.
وشددت على أن معالجة ماضي الانتهاكات لا ينبغي أن تقتصر على الاعتراف الرمزي بما جرى، بل يتعين أن تقترن بإجراءات عملية تضمن عدم طي الملفات دون مساءلة، وترفض إعادة الاعتبار السياسي لرموز المرحلة على حساب حقوق الضحايا وكرامتهم.
لا مصالحة من دون حقيقة ومحاسبة
وجددت الجمعية تأكيدها أن التعذيب والاختفاء القسري من الانتهاكات التي تستوجب كشف الحقيقة بشأنها ومساءلة المسؤولين عنها، داعية الدولة المغربية إلى استكمال تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، ووضع حد لما وصفته بسياسة تبييض رموز سنوات الرصاص.
كما طالبت بإعمال المساءلة القضائية في حق كل من تثبت مسؤوليته عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وباتخاذ مبادرة رسمية للاعتذار للضحايا وعائلاتهم وللشعب المغربي، بدل السماح، بحسب تعبيرها، بتحويل الفضاءات المؤسساتية إلى منابر للتفاخر بماضٍ تطالب الحركة الحقوقية بكشف حقيقته وترتيب المسؤوليات عنه.
حق الضحايا في الرد عبر الإعلام العمومي
وفي سياق متصل، دعت الجمعية السلطات المعنية إلى تمكين ضحايا التعذيب وعائلاتهم، إلى جانب مكونات الحركة الحقوقية، من حق الرد على تصريحات عرشان عبر القنوات التلفزية العمومية التي نقلت تدخله، معتبرة أن احترام التعددية وحقوق المتضررين يقتضي إتاحة المجال أمام روايات الضحايا وشهاداتهم، لا الاكتفاء بعرض تصريحات الطرف الذي أثار الجدل.
وأكدت أن صون الذاكرة الجماعية مسؤولية عامة، وأن الإعلام الممول من المال العام مطالب بإتاحة فضاء منصف للتعبير، بما يضمن حق المتضررين في الدفاع عن كرامتهم وعرض ما يتوفر لديهم من شهادات ومعطيات بشأن الانتهاكات التي تعرضوا لها.
دعوة إلى توحيد الجهود لمناهضة الإفلات من العقاب
وختمت الجمعية موقفها بالتأكيد على استمرار انخراطها، إلى جانب الحركة الحقوقية والقوى الديمقراطية، في الدفاع عن الحقيقة والذاكرة والحرية، ومناهضة كل أشكال الاعتقال السياسي والتعذيب والانتهاكات التي تمس الحقوق والحريات.
كما دعت القوى المناهضة للاستبداد والفساد والتطبيع إلى تنسيق جهودها وتوحيد مبادراتها دفاعاً عن المعتقلين السياسيين والمعتقلات السياسيات، والتصدي للمحاولات الرامية إلى إعادة تقديم رموز القمع باعتبارهم جزءاً من الحياة السياسية العادية، مؤكدة أن معالجة إرث الماضي تظل مرتبطة بإنصاف الضحايا، وكشف الحقيقة، وترسيخ ضمانات عدم تكرار الانتهاكات.





