
يقدم مشروع قانون المالية لسنة 2027 حزمة من التدابير الاجتماعية التي تقول الحكومة إن كلفتها الإجمالية تناهز 62 مليار درهم، موزعة بين تخفيف العبء الضريبي عن الأجراء، وتحسين معاشات التقاعد، وتوسيع الدعم الاجتماعي، ودعم فواتير الكهرباء، وتأهيل قطاعي الصحة والتعليم، وتمويل برامج التنمية الترابية وتشغيل الشباب. وهي إجراءات ترسم صورة لميزانية تسعى إلى جعل البعد الاجتماعي في صلب أولوياتها، بالتوازي مع رفع الاستثمار العمومي إلى 400 مليار درهم.
لكن وراء الأرقام الكبيرة، يبرز سؤال جوهري: هل يتعلق الأمر بتحول فعلي في السياسات العمومية، قادر على تحسين معيشة المغاربة وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، أم بمجموعة من الالتزامات التي ستظل قيمتها رهينة بمدى التنفيذ والنتائج المحققة على أرض الواقع؟ فالإعلان عن الاعتمادات المالية لا يعني بالضرورة أن أثرها سيصل بالقدر نفسه إلى جميع الأسر، خصوصا في ظل استمرار الضغوط على القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
وخلال تقديم المشروع أمام البرلمان، عرض فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، تفاصيل هذه التدابير، معتبرا أنها تشكل بداية التنزيل العملي للالتزامات الحكومية على امتداد الولاية الممتدة إلى سنة 2031.
تخفيض الضريبة على الدخل.. مكسب للأجراء بحدود معلومة
تراهن الحكومة على المراجعة التدريجية للضريبة على الدخل، خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2031، باعتبارها إحدى الأدوات لتحسين الدخل الصافي للأجراء. ووفق المعطيات المقدمة، ستصبح الأجور الشهرية الصافية التي تقل عن 10 آلاف درهم معفاة من هذه الضريبة، لترتفع نسبة الفئات المعفاة إلى 87 في المائة.
وتقدر الكلفة المالية لهذا الإصلاح بنحو 5.5 مليارات درهم، مع مكسب شهري يناهز 500 درهم خلال سنة 2027 بالنسبة إلى غالبية الأجراء المعنيين.
ورغم أهمية هذا الإجراء في تخفيف الاقتطاعات الضريبية، فإن تقييم أثره الاجتماعي لا ينبغي أن يتوقف عند قيمة الإعفاء، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار ارتفاع أسعار المواد الأساسية والسكن والنقل والخدمات. فزيادة الدخل الصافي لا تعني بالضرورة تحسنا مماثلا في القدرة الشرائية، إذا استمرت تكاليف المعيشة في التهام المكاسب المحققة.
معاشات التقاعد والأرامل.. توسيع الحماية الاجتماعية
يتضمن المشروع رفع الحد الأدنى لمعاش التقاعد تدريجيا إلى 3 آلاف درهم شهريا عند نهاية الولاية الحكومية، على أن يبلغ 1700 درهم ابتداء من سنة 2027، لفائدة نحو 500 ألف متقاعد ومتقاعدة، بينهم أكثر من 150 ألف أرملة.
كما ينص على رفع نسبة المعاش المخول للأرامل من 50 إلى 100 في المائة ابتداء من السنة نفسها، بما يشمل نحو 431 ألف مستفيدة. وتفوق الاعتمادات المرصودة لهذه التدابير، إلى جانب الإجراءات المرتبطة بها، 10 مليارات درهم.
وتشكل هذه الإجراءات استجابة لجزء من المطالب الاجتماعية المرتبطة بالهشاشة وضعف المعاشات، غير أن الرفع التدريجي للحد الأدنى يطرح مسألة التناسب بين قيمة المعاش وتكاليف العيش الفعلية. فالتحدي لا يكمن فقط في توسيع عدد المستفيدين، وإنما في ضمان حد أدنى من العيش الكريم، خصوصا بالنسبة إلى المتقاعدين الذين لا يتوفرون على موارد إضافية.
فواتير الكهرباء وأسعار المواد الأساسية.. دعم مباشر في مواجهة الغلاء
في خطوة تستهدف تخفيف الأعباء اليومية للأسر، أعلن لقجع أن الدولة ستتكفل بفواتير الكهرباء التي لا تتجاوز قيمتها 100 درهم شهريا، وهو إجراء ينتظر أن يستفيد منه نحو 6 ملايين زبون، أي ما يعادل 60 في المائة من مجموع الزبائن، بكلفة سنوية تقدر بـ2.8 مليار درهم.
كما خصص المشروع مليار درهم لإعادة أسعار المواد الأساسية إلى مستويات وصفها العرض الحكومي بالمعقولة، من خلال إحداث شركات عمومية للتجميع والتسويق في الأحواض الفلاحية الكبرى، وإصلاح مسالك تسويق اللحوم والأسماك.
وتستهدف هذه التدابير تخفيف الضغط على ميزانيات الأسر، لكن فعاليتها ستظل مرتبطة بمدى انعكاسها الفعلي على الفواتير والأسعار النهائية. فدعم الكهرباء لن يشمل، وفق الصيغة المعلنة، سوى الفواتير التي لا تتجاوز السقف المحدد، فيما يظل ضبط أسعار المواد الغذائية رهينا أيضا بمعالجة اختلالات الإنتاج والتوزيع والوساطة التجارية، وليس فقط بضخ الأموال أو إحداث شركات جديدة.
الدعم الاجتماعي المباشر.. زيادة تدريجية وأسئلة حول الاستهداف
يراهن المشروع على رفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، مع زيادة قدرها 100 درهم خلال سنة 2027، واعتمادات مالية تناهز 3 مليارات درهم.
وتتجه الحكومة كذلك إلى تغيير آليات الاستهداف، بالاعتماد أساسا على الدخل الفعلي للأسر بدلا من المؤشر المعتمد حاليا، إلى جانب تنزيل التعويض عن فقدان الشغل، وتعميم التقاعد على العمال غير الأجراء، والحفاظ على التوازنات المالية لأنظمة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض.
وتظل المعضلة الأساسية هي ضمان وصول الدعم إلى الأسر الأكثر احتياجا، من دون إقصاء فئات تعيش الهشاشة ولا تعكس المؤشرات المعتمدة أوضاعها بدقة. كما أن الزيادة التدريجية في الدعم ينبغي أن تقاس بقدرتها على الحد من الفقر وتحسين ظروف العيش، لا بمجرد ارتفاع المبالغ المعلنة.
الصحة والتعليم.. ميزانيات أكبر في مواجهة أعطاب مزمنة
خصص مشروع قانون المالية 45.4 مليار درهم لقطاع الصحة، بزيادة تقارب 3 مليارات درهم مقارنة بسنة 2026، مع إحداث 8 آلاف منصب مالي.
وستوجه هذه الموارد إلى مواكبة تعميم المجموعات الصحية الترابية، وإطلاق المركز الاستشفائي الجامعي الجديد بالدار البيضاء، وتسريع إنجاز وتجهيز مستشفيات بني ملال وكلميم والرشيدية، فضلا عن تأهيل مؤسسات الرعاية الصحية الأولية والمستشفيات.
أما قطاعات التربية الوطنية والتعليم العالي والتكوين، فستستفيد من ميزانية تبلغ 121.3 مليار درهم، بزيادة قدرها 5.3 مليارات درهم، إلى جانب 17 ألفا و874 منصبا ماليا. وتشمل الأولويات توسيع التعليم الأولي، وتحسين التعلمات الأساسية، ومحاربة الهدر المدرسي، وتطوير التعليم العالي، وإحداث 49 مؤسسة جامعية جديدة.
وتكشف هذه الأرقام عن حجم الموارد الموجهة إلى قطاعين أساسيين، لكنها لا تحسم وحدها سؤال الجودة. فالمواطن لا يقيس إصلاح الصحة بحجم الميزانية، بل بقدرته على الحصول على العلاج في الوقت المناسب، ولا يقيس إصلاح التعليم بعدد المؤسسات المعلن عنها، بل بمستوى التعلمات وتكافؤ الفرص والحد من الهدر المدرسي.
ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي يتمثل في تحويل الاعتمادات والمناصب الجديدة إلى خدمات عمومية ملموسة، مع إخضاع التنفيذ للمراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
السكن القروي والتنمية الترابية.. 25 مليار درهم لتقليص الفوارق
رصد المشروع 10.4 مليارات درهم للاستثمار في قطاع السكن، مع مواصلة برامج محاربة السكن غير اللائق وإطلاق برنامج مندمج للسكن القروي، فضلا عن تبسيط مساطر التعمير والبناء في العالم القروي.
وفي مجال التنمية الترابية، خصصت الحكومة 25 مليار درهم برسم سنة 2027 للشروع في تنفيذ جيل جديد من البرامج، مع إحداث هياكل جهوية للتنفيذ وتعزيز التتبع والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما يرتقب رفع التحويلات المالية لفائدة الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداء من السنة نفسها.
ويشمل التصور الحكومي إحداث منصة رقمية تتيح للمواطنين والفاعلين المؤسساتيين الاطلاع على برمجة المشاريع ومدى تقدم الأشغال ومستوى الإنجاز.
غير أن تقليص الفوارق المجالية لا يتحقق بمجرد توزيع الاعتمادات بين الجهات، بل يتطلب عدالة في تحديد الأولويات، وتوجيه الاستثمار إلى المناطق الأكثر خصاصا، وضمان ألا تتحول البرامج الترابية إلى مشاريع معلنة تتأخر في الإنجاز أو تفتقر إلى أثر اجتماعي واضح.
الشباب والتشغيل.. برنامج بخمسة أعوام ونتائج منتظرة
خصص المشروع نحو 6 مليارات درهم لبرنامج وطني مندمج للشباب يمتد من 2027 إلى 2031، بهدف تحسين المواكبة الاجتماعية وتعزيز فرص الاندماج المهني.
ويستهدف البرنامج تكوين 100 ألف شاب سنويا وفق حاجيات المقاولات، وتمكين عدد مماثل من الشباب من اكتساب أول تجربة مهنية كل سنة، مع رفع الطاقة الاستيعابية للتكوين تدريجيا إلى ما بين 150 ألفا و200 ألف مستفيد. كما يتضمن مواكبة المقاولات وتيسير انتقال الشباب إلى فرص العمل خارج مناطق إقامتهم، بما في ذلك توفير مساكن للكراء بأسعار مناسبة.
وتبدو هذه الأهداف طموحة من حيث الأعداد، لكن السؤال الحاسم يتعلق بطبيعة فرص الشغل التي ستنتج عنها، ومدى استقرارها وجودتها وأجورها. فالتكوين لا يصبح حلا للبطالة إذا لم يرتبط بحاجيات اقتصادية حقيقية، كما أن توفير تجربة مهنية أولى لا يكفي إذا انتهت بانتهاء البرنامج أو لم تفض إلى إدماج مستدام في سوق العمل.
استثمار عمومي بـ400 مليار درهم.. من يمول النمو ومن يجني ثماره؟
بالتوازي مع الإجراءات الاجتماعية، تعتزم الحكومة رفع الاستثمار العمومي إلى 400 مليار درهم خلال سنة 2027، في إطار مواكبة المشاريع الكبرى والاستراتيجيات القطاعية وتحفيز الاستثمار الخاص، مع إيلاء اهتمام للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة.
وتعكس هذه التوجهات محاولة للجمع بين توسيع الإنفاق الاجتماعي وتحفيز النمو الاقتصادي، على أساس أن الاستثمار يخلق الثروة وفرص العمل ويوفر موارد إضافية لتمويل السياسات العمومية.
لكن هذا الرهان يطرح بدوره أسئلة تتعلق بتوزيع ثمار النمو، ومدى استفادة المقاولات الصغيرة والأجراء والفئات الهشة من الاستثمارات الكبرى. فارتفاع الاستثمار لا يضمن تلقائيا توزيعا عادلا للثروة، مثلما أن نمو المؤشرات الاقتصادية لا يعني بالضرورة تحسن الأوضاع المعيشية لجميع المواطنين.
الخلاصة: 62 مليار درهم في الميزانية.. أين أثرها في حياة المغاربة؟
تكشف التدابير التي عرضها فوزي لقجع عن اتساع الالتزامات الاجتماعية المدرجة في مشروع قانون المالية لسنة 2027، من الضرائب والمعاشات والدعم المباشر إلى الصحة والتعليم والسكن والشباب والتنمية الترابية. لكن تجميع هذه التدابير تحت عنوان اجتماعي لا يعفي الحكومة من تقديم أجوبة واضحة عن مصادر التمويل، وآليات التنفيذ، والجدول الزمني، ومؤشرات قياس النتائج.
المفارقة أن الحكومة تقدم الأرقام باعتبارها دليلا على طموح اجتماعي واسع، بينما سيحكم المواطن على هذا الطموح من خلال ما يتبقى في جيبه، وما يجده في المستشفى والمدرسة، وما إذا كان أبناؤه سيحصلون على عمل لائق.
والنقد الأساسي هنا ليس التقليل من أهمية الإجراءات المعلنة، بل رفض تحويلها إلى رصيد سياسي مسبق قبل تحقق نتائجها. فالإعفاء الضريبي لا يعوض وحده تآكل القدرة الشرائية، وزيادة الميزانيات لا تضمن وحدها إصلاح المرافق العمومية، ورصد مليارات الدراهم لا يثبت بذاته أن الفوارق الاجتماعية والمجالية في طريقها إلى التراجع.
إن الاختبار الحقيقي لقانون مالية 2027 لن يكون في ضخامة الأرقام التي يتضمنها، بل في مقدار ما سينفذ منها، وفي عدالة توزيع منافعه، وفي قدرة المؤسسات الرقابية والبرلمان والرأي العام على مساءلة الحكومة عن النتائج. فالمغاربة لا يحتاجون إلى ميزانية اجتماعية في الخطاب فقط، بل إلى سياسة اجتماعية يمكن قياس أثرها ومحاسبة المسؤولين عن تعثرها.





