الرئسيةمجتمع

وزير التعليم العالي في مرمى الحقوقيين

حين يتسلل التمييز إلى لغة المؤسسات

فجّر تصريح وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار تحت قبة البرلمان نقاشا يتجاوز حدود التعبير غير الموفق، ليضع الخطاب الرسمي أمام اختبار احترام الكرامة الإنسانية ومناهضة التمييز، فاستعمال الوزير مصطلحا تاريخيا محملا بالوصم، خلال جوابه عن سؤال بشأن إحداث جامعة بجهة درعة تافيلالت، أثار استياء حقوقيا واسعا، وأعاد طرح سؤال التناقض بين الالتزامات الدستورية للدولة والممارسة داخل مؤسساتها.

مصطلح من قاموس الإقصاء يعود إلى البرلمان

خلال الجواب البرلماني، استخدم الوزير التعبير الفرنسي زواج منغوليين «Mariage mongolien»، وهو مصطلح تاريخي يعود إلى القرن التاسع عشر، ارتبط باستعمالات طبية وعنصرية قديمة لوصف حالات مرتبطة بمتلازمة داون، ضمن تصورات ربطت الاختلافات الجينية بالأعراق، وقد تجاوزته الأدبيات العلمية والحقوقية المعاصرة، بالنظر إلى ما يحمله من وصم واختزال للأشخاص في اختلافاتهم.

ولا تنحصر حساسية الواقعة في تقادم المصطلح أو خلفيته التاريخية، بل في دلالته حين يستعاد داخل مؤسسة تشريعية يفترض أن تجسد قيم المساواة والإنصاف، فاللغة الصادرة عن المسؤولين ليست تفصيلا منفصلا عن السياسات العمومية، إذ يمكنها أن تعزز الصور النمطية أو تساهم في تفكيكها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بفئات تواجه أصلا حواجز اجتماعية وتمثلات إقصائية.

وتزداد المفارقة وضوحا حين تصدر العبارة عن مسؤول يشرف على قطاع التعليم العالي والبحث العلمي، بما يحمله المنصب من مسؤولية في ترسيخ المعرفة واحترام الكرامة الإنسانية، دون أن يعني ذلك افتراض نية تمييزية غير مثبتة لدى الوزير.

المنظمة الحقوقية تضع الالتزامات الدستورية أمام الاختبار

وفي موقف حازم، عبّر المكتب التنفيذي للمنظمة المغربية لحقوق النساء في وضعيات إعاقة عن استهجانه الشديد للتصريح، معتبرا إياه «سقوطا أخلاقيا وحقوقيا لا يمكن تبريره»، ومؤكدا أن صدوره عن مسؤول حكومي يجعل الواقعة أكثر خطورة من مجرد تعبير متداول خارج المؤسسات.

واعتبرت المنظمة أن التصريح يتعارض مع تصدير الدستور المغربي ومقتضيات فصله الـ34 المرتبطة بحماية حقوق الفئات ذات الاحتياجات الخاصة، فضلا عن تعارضه مع التزامات المغرب بموجب الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي صادق عليها سنة 2009، ولاسيما المادة الثامنة المتعلقة بمكافحة الصور النمطية والتحسيس باحترام حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة وكرامتهم.

وتكشف القضية عن فجوة لا يمكن تجاهلها بين الاعتراف القانوني بالحقوق وضمان حضورها في الممارسة اليومية، فالإدماج لا يختزل في البرامج الاجتماعية أو الولوج إلى الخدمات، بل يشمل أيضا الحق في خطاب عمومي لا يحول الإعاقة إلى مادة للتنميط أو الانتقاص.

الاعتذار وحده لا يكفي لإنهاء الجدل

وطالبت المنظمة الوزير بتقديم اعتذار رسمي وعلني داخل البرلمان، ودعت رئاسة مجلس النواب إلى التشطيب الفوري على العبارة من محاضر الجلسات، كما وجهت نداء إلى رئيس الحكومة والمجلس الوطني لحقوق الإنسان لاتخاذ مواقف حازمة تصون كرامة الأشخاص في وضعية إعاقة.

ولا تتوقف المسؤولية السياسية عند الاعتذار أو تصحيح المحاضر، بل تمتد إلى ضمان عدم تكرار مثل هذه الممارسات وترسيخ ثقافة مؤسساتية ترفض التمييز، فالمصداقية الحقوقية للدولة تُختبر أيضا في طريقة تعامل مسؤوليها مع الفئات التي تواجه الصور النمطية والإقصاء.

وبين المطالبة بالاعتذار وضرورة تصحيح الخطاب الرسمي، يبقى السؤال الأعمق: ما جدوى الالتزامات الدستورية والاتفاقيات الدولية إذا لم تتحول إلى ممارسة يومية داخل المؤسسات؟ إن صون الكرامة ليس امتيازا تمنحه السلطة، بل حق أصيل، وأي خطاب ينتقص منه يستدعي تصحيحا واضحا ومسؤولية تتناسب مع موقع صاحبه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى