اقتصادالرئسية

هل رقمنة الفواتير تفتح اختبار العدالة الجبائية؟

50 مليار درهم تحت مجهر الضرائب واختبار الرقمنة للمقاولات الصغيرة

تتجه الإدارة الضريبية بالمغرب إلى تشديد مراقبة المعاملات التجارية عبر مشروع الفوترة الإلكترونية، في خطوة تستهدف محاصرة الفواتير الوهمية وتعزيز شفافية التصريحات الجبائية، لكنها تطرح تحديا موازيا يتعلق بقدرة المقاولات الصغيرة والمتوسطة على مواكبة التحول الرقمي، وبين حماية المال العام وتيسير الامتثال، يبرز سؤال العدالة الجبائية: كيف تحارب الدولة الغش دون تحميل المقاولات محدودة الإمكانيات أعباء إضافية؟

منصة مركزية لتضييق منافذ الغش

عرضت المديرية العامة للضرائب، خلال فبراير وأبريل 2026، توجهاتها بشأن تنزيل تدريجي للفوترة الإلكترونية، يبدأ بالمعاملات بين المقاولات، مع إعطاء الأولوية للمقاولات الكبرى وتوفير واجهة إلكترونية لفائدة المقاولات الصغيرة، ويستند المشروع إلى المادة 145-IX من المدونة العامة للضرائب، التي أُدرجت بموجب قانون المالية لسنة 2018، غير أن تفعيل النظام الجديد ما يزال مرتبطا بصدور النص التنظيمي المحدد لآليات التطبيق وجدوله الزمني.

وبحسب ما أعلنه المدير العام للضرائب، يونس الإدريسي القيطوني، في أبريل الماضي، سيعتمد النظام التحقق من الفواتير في الزمن الحقيقي، عبر منصة الإدارة أو مقدمي خدمات معتمدين، بما يسمح بمراقبة مطابقة البيانات وتعزيز تتبع المعاملات بين المهنيين، ويستهدف هذا التحول الحد من الفواتير الصورية التي تُستخدم لتضخيم التكاليف أو تقليص الضرائب المستحقة.

وتبرز أهمية الإصلاح في سياق ارتفاع المداخيل الضريبية بنسبة 74% بين 2021 و2025، لتبلغ 291 مليار درهم، وفق تصريحات المدير العام للضرائب، كما قدّر المسؤول نفسه حجم ظاهرة الفواتير الوهمية بما بين 40 و50 مليار درهم، غير أن هذا الرقم يعكس تقديرا لحجم الظاهرة، ولا يجوز اعتباره خسائر ضريبية محققة بالكامل.

المقاولات الصغيرة أمام اختبار الرقمنة

وفي السياق ذاته، حذّر الخبير المحاسب عبد الرزاق الكوني من صعوبات الامتثال التي قد تواجه المقاولات الصغيرة والمتوسطة بسبب محدودية مواردها التقنية والبشرية، وتفيد نتائج بحث للمندوبية السامية للتخطيط أُجري سنة 2019 بأن استعمال البرمجيات المهنية المتخصصة لم يتجاوز 59% من المقاولات المشمولة بالدراسة، وهو مؤشر على تحديات الجاهزية الرقمية، لا على الوضع الحالي بالضرورة.

فالفوترة الإلكترونية تستلزم تكييف الأنظمة المحاسباتية وتكوين المستخدمين وضمان سلامة البيانات، لذلك، فإن توفير واجهة مجانية لن يكون كافيا دون مواكبة تقنية وتدرج واضح في التطبيق، حتى لا تتحول متطلبات الامتثال إلى عبء إضافي على المقاولات محدودة الموارد.

إصلاح جبائي برهانات اقتصادية وسياسية

يرى الخبير محمد أمين بنرحمون أن النظام قد يسرّع معالجة طلبات استرجاع الضريبة على القيمة المضافة ويعزز مراقبة آجال الأداء، شريطة فعالية المنصة وتكاملها مع الأنظمة المعلوماتية الجبائية، ومن شأن ذلك أن يحسن تدبير السيولة لدى المقاولات التي تتضرر من تأخر استرجاع مستحقاتها.

سياسيا، يضع المشروع الحكومة أمام معادلة دقيقة: تضييق منافذ الغش وحماية المال العام، مع الحفاظ على قدرة المقاولات على الاستمرار وخلق فرص الشغل، فنجاح الإصلاح لن يقاس فقط بقدرة الإدارة على تتبع المعاملات، بل أيضا بعدالة شروط الامتثال.. ومثلما لا ينبغي أن تبقى الفواتير الوهمية منفذا للإفلات من الالتزامات الضريبية، لا يجوز أن تتحول الرقمنة إلى حاجز أمام المقاولات الصغيرة؛ فالعدالة الجبائية تبدأ بتطبيق القواعد على الجميع، مع توفير الوسائل التي تتيح للجميع احترامها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى