
أثار الباحث السوسيولوجي محمد الناجي نقاشا حول الدلالات السياسية والاجتماعية لوصول امرأة إلى رئاسة الحكومة بالمغرب، متسائلا عما إذا كان هذا الحدث يعكس بالفعل تحولا في وضعية المرأة داخل المجتمع، أم أنه مجرد استثناء سياسي لا ينبغي تضخيم رمزيته.
وفي تدوينة نشرها بهذا الخصوص تحت عنوان «امرأة، رئيسة حكومة!» بالفرنسية، اعتبر الناجي أن المغرب يضم نساء استثنائيات، وأن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة حدث لافت، لكنه شدد على ضرورة عدم الخلط بين الاستثناء والقاعدة، مستحضرا المثل القائل إن الشجرة لا ينبغي أن تحجب الغابة.
وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة لا يعني بالضرورة تحولا مجتمعيا
ويرى الباحث السوسيولوجي أن انتخاب امرأة على رأس الحكومة يظل أمرا استثنائيا بالمعنى الحرفي للكلمة، أي إنه لا يعكس بالضرورة وضعا عاديا أو تحولا عميقا في البنية الاجتماعية والسياسية، بل قد يكون مجرد استثناء يؤكد استمرار القاعدة.
ودعا الناجي إلى قراءة هذا الحدث بعيدا عن الأحكام المتسرعة والصور الرمزية التي يجري تضخيمها، معتبرا أن دلالته الحقيقية لا يمكن فهمها دون التوقف عند السياق الانتخابي والاجتماعي الذي أفرز هذه النتيجة.
مفارقة العالم القروي والأمية النسائية
وفي قراءته للخريطة الانتخابية، أشار الناجي إلى أن الحزب الذي تصدر الانتخابات مدين، أساسا، للأصوات التي حصل عليها في العالم القروي، حيث اكتفى، بحسب تعبيره، باستثمار الجانب التقليدي دون أن يقترن ذلك بالضرورة بمشروع للحداثة.
واعتبر أن المفارقة تكمن في أن هذا الوسط القروي الذي ساهم في إيصال امرأة إلى رئاسة الحكومة، ما تزال فيه نسبة الأمية لدى النساء اللواتي تتجاوز أعمارهن 15 سنة تفوق 55 في المائة، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن العلاقة بين التمثيل السياسي للمرأة والتحولات الفعلية التي يعرفها وضعها الاجتماعي والثقافي.
المدينة أكثر تعليما.. لكنها تفضل حزبا آخر
وتتعمق المفارقة، وفق الناجي، عند الانتقال إلى المجال الحضري، الذي يفترض أن يكون أكثر حداثة وانفتاحا، خصوصا أن نسبة الأمية لدى النساء في هذه المناطق لا تتجاوز 26 في المائة.
غير أن هذا الوسط الحضري يمنح، بحسب ملاحظته، الأفضلية لحزب العدالة والتنمية، الذي توجد ضمن برلمانياته نساء محجبات، وهو ما وصفه الباحث بأنه مفارقة حقيقية تستحق التأمل، بالنظر إلى التباين بين المؤشرات المرتبطة بالتعليم والاختيارات السياسية للناخبين.
الرمزية السياسية لا تكفي لقياس التقدم
وخلص الناجي إلى أن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة، رغم أهميته الرمزية، لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة لإصدار أحكام متسرعة بشأن تحقق التقدم المجتمعي أو تجاوز مظاهر التمييز والتفاوت.
فالمسألة، في نظره، تتطلب النظر إلى ما وراء الصورة الرمزية، واستحضار واقع النساء ومستويات التعليم والتمثيل والمشاركة السياسية، بدل الاكتفاء بحدث استثنائي قد يبدو أكبر من دلالاته الفعلية.
وبذلك يضع الباحث السوسيولوجي مسألة رئاسة امرأة للحكومة أمام اختبار سوسيولوجي يتجاوز الاحتفاء بالسابقة التاريخية، ليطرح سؤالا أعمق: هل يعكس وصول امرأة إلى أعلى منصب حكومي تحولاً حقيقياً في المجتمع، أم أن الأمر يتعلق باستثناء سياسي لا يزال محاطا بتناقضات الواقع الاجتماعي؟




