الرئسيةحول العالم

غزة تواجه الشتاء بلا مأوى ولا دواء ولا طعام

عام على وقف إطلاق النار، لكن الحياة في قطاع غزة لم تستعد أنفاسها. فبين خيام تمزقها الرياح، ومنازل تتربص بسكانها مخاطر الانهيار، وأطفال يحملون على وجوههم آثار الحروق، تتواصل مأساة إنسانية لا تجد طريقها إلى الانفراج.

الدمار لم يترك للفلسطينيين سقفاً يحميهم، والقيود المفروضة على دخول المساعدات تحرم المصابين حتى من بعض وسائل العلاج التي يمكن أن تنقذهم من إعاقات دائمة.

94 بالمئة من سكان غزة يبحثون عن مأوى

بعد مرور عام على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، في 10 أكتوبر 2025، لا تزال الحياة اليومية في قطاع غزة محكومة بتداعيات الدمار والحصار وفقدان أبسط مقومات العيش. فخلف صورة توقف القصف، تستمر معركة أخرى يخوضها السكان من أجل الحصول على مأوى آمن، وتأمين الغذاء، والوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية.

وفي أحدث مؤشر على اتساع الكارثة، كشفت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» أن نحو 1.98 مليون فلسطيني، أي ما يعادل 94 بالمئة من سكان القطاع، يحتاجون إلى مأوى ومساعدات غير غذائية، وفق تقييم يستند إلى مسوحات أنجزت بين 14 و28 يونيو الماضي.

ولا تقف الصورة عند هذا الحد؛ إذ أظهر التقييم أن 58 بالمئة من السكان يعيشون أوضاع إيواء حرجة أو كارثية، في ظل غياب المساكن الملائمة، أو انعدام الخدمات الأساسية، أو العجز عن الحصول على المستلزمات الضرورية للحياة اليومية.

وحذرت الوكالة الأممية من أن استمرار هذه الظروف يضع السكان أمام أخطار مباشرة تهدد صحتهم وسلامتهم وكرامتهم، مشيرة إلى أن المساعدات الغذائية المتاحة للأسر لا تزال دون مستوى احتياجاتها الفعلية.

إنها مأساة تتجاوز نقص الخيام والأغطية، لتكشف واقع عائلات فقدت منازلها وممتلكاتها ومصادر دخلها، وأصبحت مطالبة بتدبير تفاصيل الحياة في فضاءات مؤقتة لا توفر الحد الأدنى من الحماية.

شتاء جديد فوق خيام لا تصمد أمام المطر

ومع اقتراب موسم الأمطار، تتضاعف المخاوف من تحول المنخفضات الجوية إلى كارثة إضافية بالنسبة إلى النازحين. فقد حذر الدفاع المدني الفلسطيني، الخميس، من منخفض جوي مرتقب مصحوب بأمطار غزيرة ورياح قوية، من شأنه تعريض آلاف العائلات المقيمة في الخيام ومراكز الإيواء، فضلاً عن سكان المنازل المتصدعة والآيلة للسقوط، لمخاطر جسيمة.

بالنسبة إلى هؤلاء، لا تمثل الأمطار مجرد تقلبات موسمية؛ فكل ليلة ممطرة قد تعني تسرب المياه إلى فراش الأطفال، وابتلال الأغطية والملابس، وفقدان ما تبقى من متاع الأسرة. أما الرياح، فقد تتحول إلى قوة تقتلع الخيام الهشة وتترك ساكنيها في العراء، فيما تهدد السيول بإغراق المواقع المنخفضة التي تحولت إلى تجمعات للنازحين.

وتشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي، المعلنة في أغسطس الماضي، إلى أن أكثر من مليونين و150 ألف نازح يعيشون في القطاع، بينهم نحو 867 ألفاً داخل خيام متهالكة، وأكثر من مليون شخص في مراكز إيواء.

وتكشف هذه الأرقام حجم المفارقة القاسية: وقف إطلاق النار لم يُنهِ النزوح، ولم يُعد البيوت إلى أصحابها، ولم يضع حداً لرحلة البحث اليومية عن مكان يمكن أن تنام فيه الأسرة دون خوف من المطر أو الانهيار.

مليونا فلسطيني محرومون من مأوى آمن

من جهته، اتهم المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إسرائيل بمواصلة حرمان الفلسطينيين في غزة من مقومات المأوى الآمن للعام الرابع على التوالي، مؤكداً أن نحو مليوني شخص لا يزالون بحاجة إلى مساعدات إيواء، بعد أن طال الدمار معظم منازل القطاع.

وأوضح المرصد أن القيود الإسرائيلية المفروضة على عودة النازحين إلى المناطق التي ما زالت القوات الإسرائيلية تسيطر عليها، إلى جانب عرقلة إدخال مستلزمات الإيواء ومواد ترميم المنازل، تدفع مئات آلاف الأسر إلى استقبال شتاء جديد وسط خيام ممزقة ومبانٍ متصدعة لا توفر ضمانات السلامة.

واعتبر أن استمرار حرمان السكان من وسائل الحماية، رغم تكرار الوفيات والتحذيرات من مخاطر البرد والغرق، يكرس ظروفاً معيشية مدمرة، في سياق ما وصفه باستمرار الإبادة الجماعية.

وبحسب معطيات لجنة طوارئ الشتاء، التي أعلنت عنها في الأول من نوفمبر الجاري، يحتاج القطاع بصورة عاجلة إلى نحو 200 ألف خيمة ومليون شادر لمواجهة ظروف الشتاء. غير أن القيود المفروضة على إدخال هذه المستلزمات تحول دون الاستجابة لحجم الاحتياجات، وتمتد آثارها حتى إلى الإمدادات التي جرى تجهيزها مسبقاً لإغاثة السكان.

وتزداد خطورة الوضع مع هشاشة البنية التحتية، بعدما دمرت الحرب أجزاء واسعة من شبكات تصريف المياه، وأضعفت قدرة المؤسسات المحلية على مواجهة الفيضانات والتدخل السريع أثناء الأحوال الجوية القاسية.

وكان مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» قد أفاد، في 15 أكتوبر الماضي، بأن نحو 950 ألف نازح يقيمون في مواقع معرضة لمخاطر متوسطة إلى مرتفعة للفيضانات، بينهم أكثر من 400 ألف يواجهون مخاطر مرتفعة.

كما أشار إلى وجود نحو 44 ألف فلسطيني داخل أكثر من 2300 مبنى غير آمن إنشائياً، في وقت تحتاج فيه 294 ألفاً و250 أسرة إلى مساعدات إيواء استعداداً لموسم الأمطار.

وهكذا يجد السكان أنفسهم أمام خطرين متلازمين: خيام لا تقاوم العواصف، ومبانٍ قد تتحول جدرانها المتشققة وأسقفها المتضررة إلى مصائد للموت.

أقنعة علاجية مفقودة… وأطفال مهددون بتشوهات دائمة

وإذا كانت أزمة المأوى تكشف جانباً من المعاناة الجسدية والنفسية التي يعيشها النازحون، فإن التحذير الذي أطلقته منظمة «أطباء بلا حدود» يسلط الضوء على مأساة أخرى، أكثر قسوة، تطارد المصابين بحروق شديدة، وبينهم أطفال، وتحرمهم القيود المفروضة على إدخال المستلزمات الطبية من فرصة العلاج واستعادة وظائفهم الحيوية.

فقد حذرت المنظمة من أن منع دخول المواد الأساسية إلى قطاع غزة أدى إلى توقف إنتاج أقنعة طبية متخصصة تُستخدم في علاج المصابين بحروق عميقة في الوجه، وهي أقنعة تُصنع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، وتساعد على الحد من التشوهات والندوب التي قد تتركها الحروق على المدى الطويل.

وقال أخصائي العلاج الطبيعي بالمنظمة، فراس سويرجو، في تصريحات صحفية الجمعة، إن آخر قناع أنتجته الفرق الطبية بهذه التقنية يعود إلى 14 أكتوبر الجاري، موضحاً أن نفاد المواد الضرورية، نتيجة القيود على إدخال المستلزمات، جعل مواصلة الإنتاج أمراً متعذراً.

وتبدو المفارقة مؤلمة: فالخبرة الطبية متوفرة، والتقنية العلاجية موجودة، والفرق المتخصصة مستعدة لمساعدة المرضى، لكن غياب المواد الأولية يحول دون تقديم العلاج، ويترك المصابين في مواجهة مضاعفات يمكن تفاديها لو توفرت المستلزمات المطلوبة.

وأوضح سويرجو أن الطواقم الطبية تعاين يومياً حالات حروق شديدة، كثير منها يخص أطفالاً صغاراً. بعضهم أصيب خلال الغارات الجوية الإسرائيلية، بينما تعرض آخرون لحروق أثناء إعداد الطعام داخل الخيام المكتظة، أو فوق نيران مكشوفة أصبحت وسيلة اضطرارية للطهي في ظل غياب ظروف معيشية آمنة.

إن مشهد طفل مصاب بحروق عميقة في الوجه، ينتظر علاجاً لا يتوفر بسبب غياب مواد التصنيع، يلخص جانباً من المأساة التي يعيشها القطاع. فالحروق لا تقتصر آثارها على الألم والجروح، بل قد تمتد إلى تشوهات دائمة، وتحد من قدرة المصاب على تحريك عضلات وجهه، أو الرؤية، أو التنفس بصورة طبيعية.

وحذر الأخصائي من أن استمرار تعطل إنتاج هذه الأقنعة قد يحرم أطفالاً من فرصة تجنب إعاقات وتشوهات ترافقهم طوال حياتهم، رغم إمكانية الحد منها طبياً إذا سُمح بإدخال المواد اللازمة.

وقف إطلاق النار لا يعني وقف المعاناة

بين أزمة المأوى وانهيار الخدمات الصحية، تتكشف صورة غزة بعد عام من وقف إطلاق النار: سكان يحاولون النجاة من الشتاء داخل خيام لا تحميهم، وأطفال يواجهون احتمال حمل آثار الحروق مدى الحياة، وعائلات لا تملك ما يكفي من الغذاء والدواء، فيما تظل احتياجات إعادة التأهيل والإعمار أكبر بكثير من حجم المساعدات المتاحة.

إن وقف إطلاق النار، مهما كانت أهميته في وقف المواجهات العسكرية، لا يمكن أن يتحول إلى غطاء سياسي لتطبيع استمرار المعاناة. فالحياة لا تستعيد معناها بمجرد توقف القصف، ما دام ملايين الفلسطينيين محرومين من المأوى الآمن، وما دامت المستلزمات الطبية والإنسانية الضرورية تصطدم بالقيود والمنع.

وفي غزة، لم يعد السؤال فقط كيف يواجه الناس شتاءً جديداً، بل كيف يمكن لطفل أن يتعافى من حروقه، ولأسرة أن تحمي أبناءها من المطر، ولمريض أن يحصل على علاج متاح علمياً لكنه غائب فعلياً.

إنها مأساة إنسانية لا تقاس فقط بعدد المنازل المدمرة أو الخيام المنصوبة، بل أيضاً بعدد الأطفال الذين قد يحملون على وجوههم وأجسادهم آثار حرب لم تنتهِ بالنسبة إليهم، رغم مرور عام على إعلان وقف إطلاق النار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى