
هزيمة ترامب تربك نتنياهو وتهز إسرائيل
اعتبرت المراسلة السياسية لهيئة البث الإسرائيلية «كان»، غيلي كوهين، أن الانتكاسة التي تعرض لها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وسيطرة الحزب الديمقراطي على مجلسي الكونغرس، لا تمثل هزيمة سياسية للرئيس دونالد ترامب وحده، بل تكشف أيضا عن تراجع متزايد في مكانة إسرائيل داخل الولايات المتحدة، في ظل اتساع الانتقادات الموجهة إليها داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
وأوضحت كوهين، في تحليل نشرته تحت عنوان «الهزيمة في الولايات المتحدة ليست لترامب وحده، بل لمكانة إسرائيل أيضا»، أن نتائج الانتخابات تعكس تحولا في اتجاهات الرأي العام الأمريكي، الذي بات أقل إيجابية تجاه إسرائيل، مشيرة إلى اتساع دائرة الاختلاف داخل الحزب الديمقراطي، من شخصيات تقليدية مثل تشاك شومر إلى أصوات أكثر انتقادا لإسرائيل مثل رشيدة طليب.
المساعدات الأمريكية.. امتياز لم يعد مضمونا
واستشهدت الكاتبة بمثالين يعكسان التحول في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، يتعلق الأول بمستقبل المساعدات العسكرية الأمريكية، والثاني بالخلاف المتصاعد بشأن الحرب على إيران.
وفي ما يخص المساعدات، اعتبرت أن إعلان ترامب، يوم الانتخابات، عزمه وقف الدعم الأمريكي لإسرائيل يعكس توجها متناميا داخل المجتمع الأمريكي، وليس مجرد تصريح انتخابي عابر، في ظل تزايد التساؤلات بشأن جدوى استمرار تحويل 3.8 مليارات دولار سنويا إلى دولة تمتلك قدرات تكنولوجية وعسكرية متقدمة، بما فيها منظومة «القبة الحديدية».
وأضافت أن المؤسسة الأمنية والقيادة الإسرائيلية اعتادتا التعامل مع هذه المساعدات باعتبارها أمرا مضمونا، بل إنهما درجتا على احتسابها ضمن موارد ميزانية الأمن، غير أن قطاعات متزايدة من الأمريكيين باتت تتساءل عن مبررات استمرار هذا التمويل، حتى مع استفادة الصناعات الأمريكية من جزء من الأموال المخصصة لصفقات التسلح.
نتنياهو أراد إنهاء المساعدات.. لكن ليس الآن
وكشفت كوهين أن بنيامين نتنياهو هو من بادر إلى طرح فكرة إنهاء المساعدات الأمريكية على المدى البعيد، في خطوة استباقية لمواجهة التحولات في الرأي العام الأمريكي، وذلك قبل التفاوض بشأن اتفاقية تمويل جديدة لعشر سنوات.
وبحسب الكاتبة، كان نتنياهو ومستشاره رون ديرمر يراهنان على إعلان إسرائيلي يقضي بإنهاء المساعدات خلال عقد من الزمن، بما يسمح بالتوصل إلى اتفاق جديد قد يكون الأخير من نوعه، مع ضمان استمرار تدفق الأموال إلى الجيش الإسرائيلي في المرحلة الحالية.
لكن ترامب أعلن الخطوة، وفق كوهين، دون تقديم توضيحات كافية ودون أن يكون نتنياهو أو المسؤولون الأمنيون الإسرائيليون على علم مسبق بتفاصيلها. بل إن عددا من كبار مسؤولي المؤسسة الأمنية علموا بالقرار من خلال عناوين وسائل الإعلام.
وأشارت إلى أن نتنياهو كان يريد إنهاء المساعدات، لكنه لم يكن يرغب في حدوث ذلك في الوقت الراهن أو بهذه الطريقة، مضيفة أن موعد وقف التمويل لا يزال ملتبسا؛ إذ قد يعني الإعلان إنهاء المساعدات مع نهاية 2026، بما يحرم إسرائيل من 7.6 مليارات دولار خلال السنتين المتبقيتين من الاتفاق الحالي، أو الاكتفاء بعدم تجديد الاتفاقية عند انتهائها في نهاية 2028.
وفي المقابل، حاول مقربون من نتنياهو التذكير بأن الكونغرس هو الجهة المخولة بالمصادقة سنويا على تحويل الأموال، غير أن الكاتبة تساءلت عما إذا كان المشرعون الأمريكيون سيواصلون منح إسرائيل هذا الدعم، بعدما صادقوا عليه حتى خلال سنوات الحرب، رغم تصاعد الانتقادات الموجهة إليها.
الحرب على إيران.. إسرائيل في قفص الاتهام الأمريكي
ولم تحصر كوهين تراجع مكانة إسرائيل في مسألة المساعدات المالية والعسكرية، بل ربطته أيضا بتنامي المعارضة الأمريكية للحرب على إيران، معتبرة أن الخلاف يتجاوز انعكاساتها على أسعار الوقود ليشمل تكلفتها العسكرية والسياسية.
وفي هذا السياق، نقلت عن صحيفة «نيويورك تايمز» أن إسرائيل أطلعت مسؤولين في واشنطن على معلومات استخباراتية حساسة تفيد بأن إيران تدرس استخدام أسلحة كيميائية ضد خصومها، وهي معلومات أثارت خلافا داخل الإدارة الأمريكية، إذ اعتبر بعض المسؤولين أنها تأتي في سياق محاولات نتنياهو دفع الولايات المتحدة مجددا إلى الانخراط في مواجهة عسكرية مع طهران.
وقالت الكاتبة إن قطاعات من الرأي العام الأمريكي، داخل الحزب الديمقراطي وحتى في أوساط الحزب الجمهوري، باتت تنظر إلى إسرائيل باعتبارها الطرف الذي جر الولايات المتحدة إلى الحرب، بصرف النظر عن مدى دقة هذا التصور.
وأضافت أن نتنياهو حاول مرارا، منذ وقف إطلاق النار في أبريل الماضي، إقناع ترامب بالموافقة على شن هجوم إضافي على إيران، لكنه لم ينجح في ذلك.
كما لفتت إلى أن كلفة الحرب لا تقتصر على ارتفاع أسعار الوقود، بل تشمل أيضا مليارات الدولارات من الإنفاق العسكري، وهو ما يجعل تداعياتها ملموسة في الحياة اليومية للأمريكيين.
علاقة ترامب ونتنياهو.. إعجاب وولاء ومشاحنات
وتوقفت كوهين عند طبيعة العلاقة بين ترامب ونتنياهو، ناقلة عن مستشار مقرب من الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض وصفه لهذه العلاقة بأنها تشبه علاقة زوجين عاشا معا لعقود، تتخللها فترات من الانسجام والتوتر والمشاحنات والمزاح.
وأشارت إلى أن نتنياهو عاد من أول زيارة له إلى البيت الأبيض خلال الولاية الثانية لترامب مفتونا بالرئيس الأمريكي، حتى إنه ألقى خلال اجتماع المجلس الوزاري الذي أعقب الزيارة ما وصفته بـ«خطاب الولاء»، تضمن تلميحا إلى أن من لا يلتزم بالنهج المطلوب لن يكون له مكان.
وبحسب كوهين، انعكس هذا التأثر بترامب على خيارات نتنياهو السياسية والأمنية، من خلال استبدال رئيس جهاز الموساد بسكرتيره العسكري، اللواء رومان غوفمان، وإقالة رئيس جهاز الأمن العام «الشاباك» وتعيين اللواء دافيد زيني مكانه، فيما كان يرغب، لو أتيحت له الفرصة، في إقالة رئيس الأركان إيال زامير أيضا.
اتهامات بالتدخل في الانتخابات.. ومؤسسات الدولة في مواجهة الليكود
واعتبرت الكاتبة أن تداعيات هذه التغييرات ظهرت في طريقة تعامل زيني مع التحقيق المتعلق بشبهات التدخل الأجنبي في الانتخابات، والذي تحول إلى مواجهة بين المؤسسات المكلفة بحماية الدولة وضمان نزاهة العملية الانتخابية.
وأضافت أن حزب الليكود، الذي تحدث عن وجود «سحابة سوداء» تخيم على نتائج الانتخابات، بدأ يوجه اتهامات بشأن ما وصفه بـ«تلويث الانتخابات»، فيما انتشرت عبر الإنترنت ومواقع محسوبة عليه دعوات لتنظيم احتجاجات ضد ما سمي «سرقة الانتخابات».
وجاء ذلك رغم إعلان لجنة الانتخابات المركزية، أكثر من مرة، عدم العثور على أدلة تثبت وجود تلاعب يمس نزاهة العملية الانتخابية.
هزيمة اليمين ممكنة.. والكابيتول ليس نموذجا قابلا للتكرار
وفي ختام تحليلها، رأت كوهين أن نتنياهو لم يكتف بالتأثر السياسي بترامب، بل استنسخ كثيرا من أساليبه، سواء من خلال الحضور المكثف والمثير للجدل على شبكات التواصل الاجتماعي، أو اعتماد الشعارات الحادة والمختصرة، أو تبني أنماط معينة من السلوك السياسي.
وأضافت أن نتنياهو حذر خلال حملته من تهديد حكم اليمين، معتبرا أن نتائج الانتخابات قد تفتح الطريق أمام الإطاحة به واستبداله.
لكن ليلة الانتخابات، بحسب الكاتبة، حملت رسالة سياسية تتجاوز الولايات المتحدة، مفادها أن هزيمة اليمين في صناديق الاقتراع تظل ممكنة، حتى في عهد ترامب، وأن سيناريو اقتحام مبنى الكابيتول لا يمكن أن يكون وسيلة دائمة لتغيير نتائج الانتخابات أو الالتفاف على إرادة الناخبين.
وهكذا، لا تختزل كوهين دلالات الانتكاسة الانتخابية في مستقبل ترامب السياسي فحسب، بل تقدمها باعتبارها مؤشرا على أزمة أعمق في صورة إسرائيل داخل الولايات المتحدة، وعلى أن الدعم الأمريكي الذي ظل لعقود أحد ثوابت الاستراتيجية الإسرائيلية لم يعد بمنأى عن التحولات السياسية والشعبية الأمريكية.





