إخباري تحليلي: تهديد الديمقراطية.. في تداعيات حادث اقتحام الكونجرس الأمريكي

0

رغم كافة التوقعات التي ذهبت إلى أن جلسة الكونجرس لإقرار نتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية، التي عقدت يوم الأربعاء 6 يناير 2021، لن تكون تقليدية كالمعتاد، وأنها ستكون جلسة عاصفة تشهد شداً وجذباً بين الديمقراطيين والجمهوريين؛ إلا أنّ أحداً لم يتوقع ما جرى أثناء انعقاد الجلسة، فاقتحام مبنى الكونجرس من قبل بعض الأمريكيين من أنصار ترامب كان حدثاً خارج التوقعات، ووقائع ما جرى في هذا اليوم، الذي وُصف بأنه “اليوم المظلم” في تاريخ السياسة الأمريكية، ستكون له تداعيات على المرحلة القادمة، ومستقبل ترامب السياسي، ومجمل النظام السياسي الأمريكي.

بقلم حسام إبراهيم لصالح مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

ما الذي حدث؟

بعد اقتحام المتظاهرين من أنصار ترامب الذين وُصفوا بأنهم من الغوغاء لمبنى الكونجرس، أُصيبت الدوائر السياسية والأمنية في الولايات المتحدة الأمريكية بالصدمة والمفاجأة، ففي هذه اللحظة العصيبة التي قد تخرج عن السيطرة، كان داخل المبنى بعض أركان الحكم الرئيسيين، مايك بنس نائب الرئيس ترامب، وكامالا هاريس نائب الرئيس المنتخب، وقادة مجلسي النواب والشيوخ، وأعضاء المجلسين، وهذا يعني أن الضلع الثاني في النظام السياسي الأمريكي، وهو الهيئة التشريعية “الكونجرس”، تحت الاعتداء والتهديد.هذا الوضع دفع الكثيرين لطرح تساؤل عما حدث، وكيف تمّ هذا الاعتداء على الديمقراطية الأمريكية؟. وهنا تجدر

الإشارة إلى عددٍ من الجوانب:

1- التوقيت:

جرت وقائع الاعتداء على الكونجرس واقتحامه في يوم الأربعاء 6 يناير 2021، وأثناء انعقاد الكونجرس للتصديق على نتائج انتخابات الرئاسة التي فاز فيها المرشح الديمقراطي جون بايدن، وخسر فيها ترامب، وهذا التوقيت يمثل لحظة حاسمة باعتباره المحطة النهائية في الإجراءات القانونية والدستورية لإضفاء الشرعية على نتائج الانتخابات. وقد أدى حادث الاقتحام إلى تعطيل الانعقاد وتوقف أعمال الكونجرس لساعات، حتى تمت السيطرة على الموقف.

2- تحريض ترامب:

في إجابة غير مباشرة على السؤال الذي طرحه الجميع (ما الذي جعل الأمور تخرج عن السيطرة؟)، كان هناك توافق بين النخبة السياسية والدوائر الفكرية الأمريكية على أن خطاب التحريض الذي تبناه الرئيس ترامب خلال الأسابيع الأخيرة بعد خسارته الانتخابات كان السبب الرئيسي لدفع مناصريه للهجوم على مبنى الكونجرس واقتحامه، وأن المظاهرات الحاشدة التي تمّ الترتيب لها وإقامتها يوم الأربعاء قبل جلسة اعتماد نتائج انتخابات الرئاسة، وقيام الرئيس ترامب بإلقاء خطاب أمام الحشد الرئيسي من مناصريه في هذه المظاهرات، وتكراره مزاعمه حول سرقة الانتخابات، وضرورة عدم السماح للديمقراطيين بسرقتها، وأنه لن يستسلم، وأنه سيشارك مع المتظاهرين في مسيرة من البيت الأبيض إلى مبنى الكونجرس؛ كانت الشرارة التي أطلقت الأحداث.

3- القصور الأمني:

الجانب الأبرز والملفت في حادث اقتحام مبنى الكونجرس تمثل في السهولة التي استطاع بها المتظاهرون خرق السور الأمني حول المربع الذي يقع فيه مبنى الكونجرس، وقدرتهم بعد ذلك على الوصول إلى مبنى الكونجرس ذاته، واقتحام المبنى والدخول إلى قاعاته الرئيسية، والقيام بأعمال تخريب وعنف في الداخل؛ الأمر الذي دعا البعض إلى الحديث عن إخفاق أمني، أو وجود تواطؤ سمح بحدوث هذا الاختراق، وضرورة إجراء تحقيق حول هذا القصور الأمني. لكن يبدو بشكل عام أن القصور كان ناتجاً عن فشل توقع تطور الأحداث بهذا الشكل، فقد كانت هناك إجراءات مسبقة، منها نشر عناصر من شرطة العاصمة واشنطن وعدد محدود من عناصر الحرس الوطني قبل يوم المظاهرات، وكان هناك تحذير من الشرطة بعدم حمل أسلحة إلى موقع المظاهرات، لكن يبدو أن حجم الاستعدادات الأمنية كان أقل من حجم التهديد.

4- مجموعات مختلفة:

بدا واضحاً من صور أحداث اقتحام الكونجرس أن العناصر المشاركة في هذا الاقتحام هم أنصار الرئيس ترامب بشكل رئيسي، الذين أطلق عليهم الغوغاء في وسائل الإعلام الأمريكية، وهم مجموعات متعددة، تجمعهم أيديولوجيا الولاء والدعم الكامل لترامب وخطابه الشعبوي، سواء المجموعات الداعمة له والرافضة لنتائج الانتخابات أمثال مجموعات الأغلبية الصامتة The Silent Majority، وتحالف الثمانين في المائة The Eighty Percent Coalition، ومجموعات من الحركات اليمينية العنيفة المؤيدة لترامب مثل مجموعة “الأولاد الفخورين” Proud Boys، ومجموعة “حفظة القسم” The Oath Keepers، وغيرهم من المجموعات المؤيدة لترامب.

إدارة الأزمة:

بعد اقتحام المتظاهرين المناصرين لترامب مبنى الكونجرس، استغرقت وقائع الاقتحام والسيطرة على الموقف أكثر من ثلاث ساعات، وفي النهاية تمت السيطرة على الوضع، وذلك على النحو التالي:

1- التدخل الأمني السريع:

رغم القصور الأمني قبل وقوع أحداث اقتحام الكونجرس وفي اللحظات الأولى؛ إلا أن حالة الاستنفار والطوارئ التي قامت بها أجهزة ومؤسسات الأمن للتدخل لحماية المبنى والسيطرة على الموقف نجحت عملياً، سواء في الحفاظ على القيادات السياسية الموجودة في المبنى، أو استعادة السيرة الأمنية للكونجرس وإخلائه من المتظاهرين. ففي هذا الإطار، قام مايك بنس -نائب الرئيس- بدور كبير في إدارة الأزمة، واتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع الموقف على المستوى الفيدرالي، خاصة تدخل الجيش وتنشيط كافة عناصر الحرس الوطني في العاصمة واشنطن، وتقديم تعزيزات من مكتب المباحث الفيدرالية F.B.I، وتعزيزات أمنية من الحرس الوطني لولايتي فيرجينيا وميريلاند القريبتين من العاصمة واشنطن، وتناغم الجميع في تقديم الدعم لشرطة مبنى الكونجرس للحفاظ على الوضع الأمني والسيطرة على الموقف.

2- دعوات التهدئة:

دفعت الأحداث الرئيس المنتخب جو بايدن ليخرج في خطاب متلفز إلى الأمريكيين ينبذ فيه العنف وما جرى، والاعتداء على الديمقراطية الأمريكية، وفي الوقت نفسه طالب بايدن الرئيس ترامب بضرورة الخروج عبر شاشات التلفزيون للحديث إلى أنصاره وضرورة تحمل مسؤولياته لوقف العنف وهذا الاعتداء. وبعدها بوقت قليل، خرج ترامب في فيديو مصور، يمثل استجابة لتحدي بايدن له، وفي هذا الفيديو دعا أنصاره إلى العودة إلى المنزل، وأن يكون هناك سلام، لكنه -في الوقت نفسه- واصل مزاعمه بسرقة الانتخابات والتزوير.

3- رسالة القوة وتجاوز الحدث:

بعد السيطرة على الموقف أمنياً، وعودة الهدوء بعد نجاح قوات الأمن في استعادة الكونجرس؛ كان هناك توجهٌ رئيسي بين قادة أعضاء الكونجرس، من الديمقراطيين والجمهوريين، بضرورة العودة للانعقاد مرة أخرى، للقيام بما هو ضروري لإتمام الإجراءات القانونية لإقرار نتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية، وبعد العودة للانعقاد فعلياً، كانت رسالة مايك بنس -نائب الرئيس- في خطابه أثناء بداية الجلسة أن العنف لن ينجح، وأن الحرية سوف تنجح، وذلك في إدانة غير مباشرة لما جرى من أحداث اعتداء واقتحام للكونجرس.

اليوم التالي:

رغم تجاوز لحظة اقتحام مبنى الكونجرس الأمريكي، والسيطرة على الموقف أمنياً خلال ساعات؛ إلا أن تداعيات هذه اللحظة الحاسمة سوف تستمر لفترة طويلة، وهذه اللحظة ستحدد الكثير مما سيجري في السياسات الداخلية الأمريكية وفي بنية النظام السياسي الأمريكي خلال السنوات القادمة. وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى عدد من النقاط الرئيسية:

1- نتائج عكسية:

أحد التداعيات الرئيسية لأحداث اقتحام الكونجرس هو فشل الهدف الرئيسي الذي من خلاله تمت هندسة هذه التظاهرات ودفع المتظاهرين لاقتحام المبنى، والمتعلق بتعطيل العملية الديمقراطية وجلسة التصويت على إقرار النتائج، ومحاولة دعم تحركات الجمهوريين داخل الكونجرس للاعتراض على نتائج الانتخابات، ومحاولة كسب المزيد من الوقت، فأحداث الاقتحام والعنف الذي رافقها، وتهديد حياة أعضاء المجلسين وقوات الأمن؛ دفعت بعض الأعضاء الجمهوريين لتغيير موقفهم؛ فبعضهم كان مؤيداً للاعتراض على النتائج، لكن لاحقاً بعد الأحداث قام بتأييد التصويت على الموافقة على نتائج الانتخابات.

2- خسارة ترامب الجسيمة:

ثاني التداعيات الرئيسية لأحداث الاقتحام تمثلت في خسارة ترامب الثانية، فترامب الذي خسر الانتخابات خسر كثيراً جداً مما جرى، فهناك توافق بين النخبة السياسية والإعلام على أن ترامب هو المسؤول عما جرى، وهو الذي حرض المتظاهرين، فكلمات بعض أعضاء مجلسي النواب والشيوخ من الديمقراطيين وبعض الجمهوريين في الجلسة بعد عودة الكونجرس للانعقاد حمّلت ترامب بشكل مباشر المسؤولية، كما أن افتتاحيات الصحف الأمريكية الرئيسية مثل “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” و”وول ستريت جورنال” حمّلته المسؤولية أيضاً، ودعت إلى محاسبته جنائياً عما حدث، أو إزاحته من السلطة، هذا بالإضافة إلى عودة الحديث عن ضرورة تفعيل التعديل الـ25 من الدستور الأمريكي الذي يُتيح لنائب الرئيس بالتشاور مع أعضاء المجلس الوزراء عزل الرئيس من منصبه بسبب عدم كفاءته في أداء مهامه الرئاسية. لكن الأمر عملياً لن يحدث، حيث إنه -عملياً- صعب في ظل تبقي أسبوعين فقط لترامب في السلطة.

لكن الخسارة الجسيمة والرئيسية والأكثر أهمية هي المتعلقة بتداعيات الأحداث على نفوذ ترامب ومستقبله السياسي، فترامب كان يهدف إلى أن يسيطر على الحزب الجمهوري بعد خروجه من البيت الأبيض، وأن يكون له نفوذ وسيطرة في الحياة السياسية؛ لكن هذه الأحداث سوف تخلق تحدياً لهذا النفوذ، فترامب أصبح منبوذاً من النخبة السياسية، ومظاهر الاستياء منه داخل الحزب الجمهوري بدأت تتسع، وسوف تتنامى في الفترة القادمة، الأمر الذي يعني أن نفوذ ترامب كفاعل مؤثر في الفترة القادمة أصبح محل شك، وهذا بدوره سيكون له تأثير على استمرار الترامبية وما أرساه ترامب، فلحظة 6 يناير المتمثلة في اقتحام الكونجرس، ورغم سوداويتها؛ إلا أنها حملت بداية جديدة للأمريكيين، هي بداية التراجع لترامب والترامبية.

3- الحاجة إلى إصلاح النظام:

الأحداث التي شهدتها السياسة الداخلية الأمريكية منذ يوم 3 نوفمبر 2020، موعد الانتخابات الرئاسية، وما لاحقها من أحداث مرتبطة بإعلان النتائج، وإجراءات انتقال السلطة، وأحداث يوم الأربعاء الأسود؛ كلها حملت ظلالاً من الشك حول الديمقراطية الأمريكية وانتهائها، وأن النظام الأمريكي تمزق من الداخل، ووصل الأمر للحديث عن انهيار الولايات المتحدة الأمريكية؛ لكن كل ذلك لا يعدو أن يكون جزءاً من الصورة الأكبر، والمتعلقة بعملية المراجعة الداخلية التي تتم جراء سنوات ترامب وستجري في المرحلة القادمة حول ضرورة إصلاح النظام من الداخل، وضرورة القيام بخطوات جريئة وكبرى لتعديلات على النظام السياسي، بدايةً من محاولة تقييد صلاحيات الرئيس، إلى ضرورة إيجاد آليات لمنع حدوث ارتباك في أداء النظام، مروراً بالمراجعة الداخلية في الحزب الجمهوري، وتقييم ما الذي يجب القيام به بعدما كلّفت ممارسات ترامب الحزب خسارةَ البيت الأبيض والكونجرس.

الخلاصة، رغم ساعات التوتر وخروج الأمر عن السيطرة بعد اقتحام مبنى الكونجرس، الذي يمثل رمز الديمقراطية الأمريكية، وهو السلطة الأولى في النظام السياسي الأمريكي؛ إلا أن هذه اللحظة الحاسمة ستكون لها بعض التداعيات الإيجابية على مستقبل السياسة الداخلية الأمريكية، خاصة تراجع ترامب والترامبية، وبدء فتح صفحة جديدة عنوانها مراجعة داخلية، والعودة إلى المؤسسات وأمريكا التقليدية.

المصدر: مركز المستقبل للدراسات والأبحاث المتقدمة

Leave A Reply