
اختار فوزي لقجع، الوزير المكلف بالميزانية في حكومة عزيز أخنوش، والوافد حديثا إلى حزب الأصالة والمعاصرة، أن يواجه الانتقادات التي رافقت دخوله المعترك الحزبي والسياسي بلغة مباشرة، واضعا أكثر من ملف مثير للجدل على طاولة النقاش، من استيراد الأغنام واللحوم الحمراء إلى تعثر المشاريع التنموية بالجهة الشرقية.
ولقجع، الذي يوجد في قلب عملية إعداد الميزانيات وتدبيرها وتتبع تنفيذها داخل الحكومة، وجد نفسه خلال الفترة الأخيرة في موقع سياسي أكثر انكشافا، خصوصا بعد التحاقه بـ«البام» قبل الانتخابات التشريعية، وهو ما فتح الباب أمام أسئلة حول مسؤوليته السياسية عن اختيارات وقرارات حكومية سابقة.
وفي لقاء حزبي بمدينة وجدة، حاول لقجع إعادة صياغة موقعه في النقاش، متسائلا عن أسباب تحول خطاب الإشادة به قبل دخوله إلى حزب الأصالة والمعاصرة إلى موجة من الانتقادات بعد إعلان انضمامه إليه.
«واش أنا لي استوردت الخروف؟»
وفي رده على من يربط اسمه بالقرارات الحكومية المرتبطة باستيراد الأغنام واللحوم الحمراء خلال سنتي 2023 و2024، اختار لقجع جواباً ساخرا ومباشرا: «واش أنا لي استوردت الخروف؟»
وقال الوزير إن جوابه لمن يعتبره طرفاً في جميع القرارات الحكومية السابقة هو السؤال نفسه، في إشارة إلى رفضه تحميله مسؤولية ملفات وقرارات لا يرى نفسه صاحب القرار المباشر فيها.
لكن حديث لقجع لم يتوقف عند ملف استيراد الأغنام، بل انتقل إلى سؤال أوسع يتعلق بطريقة تدبير المشاريع العمومية، متسائلا عن أسباب بقاء مشاريع لسنوات طويلة دون أن ترى النور، رغم توفر الاعتمادات المالية المرصودة لها.
وضرب مثالا بالمركب الثقافي والمستشفى الإقليمي بمدينة بركان، اللذين قال إن أشغالهما تعثرت لنحو عشر سنوات، رغم وجود الاعتمادات في الميزانية.
وتساءل بنبرة انتقادية: «واش عبد ربه هو المسؤول؟»، في محاولة للتأكيد على أن توفر التمويل لا يعني بالضرورة أن المشروع سينجز في الآجال المحددة، وأن الاختلال قد يكون في مراحل أخرى من مسلسل التنفيذ.
لقجع: نريد أجوبة عن المشاريع المتعثرة
وقال الوزير إن هذه الإشكالات لا تخص جهة بعينها، وإنما تمس الحياة اليومية للمغاربة، معتبرا أن الحكومة المقبلة مطالبة بجعل معالجة مثل هذه الاختلالات ضمن أولوياتها.
وأضاف أن طرح هذه الأسئلة لا يعني توجيه الاتهام إلى جهة محددة، وإنما يعكس، حسب تعبيره، واقعا قائما يحتاج إلى أجوبة سياسية ومنهجية واضحة، مقرونة بعمل متواصل لتجاوز أسباب التعثر.
وبالنسبة للجهة الشرقية، أقر لقجع بوجود خصاص كبير، رغم المشاريع والمجهودات التي تم إنجازها خلال السنوات الماضية، مرجعاً جانباً من ذلك إلى اتساع مساحة الجهة وتنوع تضاريسها والحاجة إلى مقاربة تنموية تراعي خصوصيات مناطقها المختلفة.
ميناء الناظور ورهان الاستثمار
وفي المقابل، دافع لقجع عن عدد من المشاريع الكبرى التي يجري إنجازها بالجهة، وفي مقدمتها ميناء الناظور، الذي قال إنه سيدخل مرحلة الاستغلال خلال الأيام المقبلة، معتبراً أن المشروع يمثل رافعة استراتيجية يمكن أن تعيد تشكيل الخريطة الاقتصادية للجهة الشرقية.
وشدد على أن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند إنجاز البنيات التحتية، بل يجب أن يترجم الاستثمار المرتقب إلى فرص حقيقية لفائدة شباب الجهة، بما يجعل التنمية أكثر انتشاراً وأثراً على مختلف أقاليمها.
وقال إنه لا يريد تحميل المسؤولية لأي طرف، وإنما يتحدث عن واقع قائم، معتبراً أن المرحلة المقبلة تتطلب تحديد الأولويات وربط المشاريع الاستثمارية بحاجيات السكان وفرص الشغل.
«ما الذي يقلق في ممارسة مواطن عادي للسياسة؟»
وبخصوص الجدل الذي رافق التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة، رفض لقجع تقديم الخطوة باعتبارها أمرا استثنائيا، متسائلاً: «ما الذي يقلق في ممارسة مواطن عادي للعمل السياسي؟»
واستغرب، في السياق نفسه، كيف انتقلت مواقف البعض من الإشادة به قبل دخوله إلى «البام» إلى انتقاده بعد التحاقه بالحزب، معتبراً أن هذا التحول يطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفيات الانتقادات الموجهة إليه.
وقال إن الانتقادات التي أعقبت إعلان انضمامه إلى حزب «الجرار» لا تستند، في نظره، إلى أساس موضوعي، مؤكداً أن الانخراط في العمل السياسي حق متاح لأي مواطن.
«من يريد أن يتحدث معنا فليتحدث بالأرقام»
وفي ظل التنافس المتزايد بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، بدا لقجع حريصاً على نقل المواجهة السياسية من السجال الكلامي إلى الأرقام والبرامج.
وقال بوضوح إن من يريد مواجهة «البام» أو مناقشة خياراته السياسية عليه أن يستند إلى الأرقام والبرامج، معتبرا أن «البوليميك» والمناقشات الهامشية لن تقدم شيئاً ولن تساعد في معالجة القضايا الحقيقية التي تشغل المغاربة.
وفي هذا السياق، قدم لقجع الخطوط العريضة لبرنامج حزبه الانتخابي، قائلا إنه يقوم على شق اقتصادي واستثماري، إلى جانب محور اجتماعي يستحضر ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، فضلا عن الإشكالات المرتبطة بقطاعي الصحة والتعليم.
70 مليار درهم إضافية سنوياً
ولإسناد وعود الحزب بالأرقام، كشف لقجع أن تنفيذ هذه الالتزامات والبرامج يتطلب تعبئة نحو 70 مليار درهم إضافية سنوياً.
ودعا المواطنين إلى منح ثقتهم لحزب الأصالة والمعاصرة والتصويت لصالح برنامجه، مؤكداً أن ما يقدمه الحزب للناخبين ليس مجرد وعود انتخابية، بل «عقد» سياسي يقوم أساساً على البرنامج الذي يتعهد بتنفيذه.
وهكذا، حاول لقجع من وجدة أن يعيد رسم صورته السياسية: وزير يوجد في قلب صناعة الميزانية وتدبيرها داخل حكومة أخنوش، ومسؤول حكومي يرفض اختزال دوره في القرارات التي أثارت الجدل، وقيادي حزبي جديد يستعد لخوض الاستحقاق الانتخابي بلغة الأرقام والبرامج، فيما يواجه في الوقت نفسه أسئلة متزايدة حول حدود مسؤوليته السياسية داخل الحكومة وخارجها.





