
تصويت بعيدا عن الكاميرات، ورسالة شكر وشيك لفريق حملته، وصمت بعد إعلان النتائج، ثم مغادرة رئاسة الحكومة والعودة المرتقبة إلى عالم الأعمال.
رحيل الرجل يعيد إلى الواجهة سؤالا أقدم
ترسم المجلة الفرنسية صورة خروج متدرج لعزيز أخنوش من السياسة، لكن رحيل الرجل يعيد إلى الواجهة سؤالا أقدم: هل يستطيع التجمع الوطني للأحرار التحرر من إرث حزب ارتبط منذ ولادته بالدولة والإدارة؟
اختار عزيز أخنوش أن يغادر المشهد السياسي بالطريقة التي لم يعتدها المغاربة خلال سنوات حضوره في صدارة السلطة: بعيدا عن الكاميرات، قليل الكلام، ومن دون إعلان احتفالي بنهاية المسار.
لكن التفاصيل التي تكشفها مجلة «جون أفريك» الفرنسية عن الأيام الأخيرة لرئيس الحكومة السابق توحي بأن ما جرى لم يكن مجرد تسليم عادي للسلطة، بل مسار انسحاب متدرج، تتداخل فيه الحسابات الشخصية مع مستقبل حزب قاده إلى الحكومة ثم تركه أمام مرحلة جديدة.
في تقرير بعنوان «في المغرب.. خروج عزيز أخنوش بين الضوء والظل»، تتوقف المجلة عند محطات دقيقة سبقت مغادرة أخنوش رئاسة الحكومة، من تصويته بعيدا عن الأضواء في الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، إلى الرسالة التي وجهها إلى فريق التواصل الانتخابي التابع لحزبه، مرورا بصمته بعد ظهور النتائج، وصولا إلى تسليم السلط والاتجاه نحو استئناف الإشراف على مجموعة «أكوا».
لكن قصة الخروج، كما تعرضها المجلة، لا تنحصر في مستقبل رجل أعمال اختار العودة إلى نشاطه الاقتصادي.
إنها تفتح أيضا ملف التجمع الوطني للأحرار، الحزب الذي ارتبط تاريخيا، بنشأة ترعاها الدولة وتحتضنها الإدارة، وظل مطالبا بإثبات استقلال قراره السياسي والتنظيمي.
تصويت بلا كاميرات.. وبداية الانسحاب
في يوم الاقتراع، توجه أخنوش باكرا إلى مكتب التصويت، متجنبا الأضواء التي رافقت حضوره السياسي لسنوات. وبحسب مصدر مقرب منه تحدث إلى «جون أفريك»، طلب رئيس الحكومة السابق ألا يحضر أي صحافي لتصويره وهو يدلي بصوته.
كانت تلك إشارة أولى إلى رغبته في الابتعاد عن المشهد الإعلامي المصاحب للاستحقاقات الانتخابية، في وقت كان حزبه يخوض “معركة صعبة” للدفاع عن موقعه بعد خمس سنوات من قيادة الحكومة.
وبعد يومين من إعلان النتائج، جاءت خطوة أخرى أكثر دلالة، فقد نقل مبعوثون إلى مقر التجمع الوطني للأحرار بالرباط رسالة شكر موقعة من أخنوش، مرفقة بشيك، لفائدة فريق التواصل الانتخابي الذي اشتغل خلال الحملة.
ووفق ما أورده التقرير، قرأ بعض المقربين من الحزب هذه الخطوة باعتبارها مؤشرا على بدء تفكيك الترتيبات التي أحاطت بأخنوش خلال مساره السياسي، وسحب رجاله من واجهة المشهد.
لا تثبت هذه الواقعة، بمفردها، أن جميع خيوط الانسحاب قد حُسمت، لكنها تكتسب دلالة خاصة حين توضع إلى جانب بقية المحطات التي أعقبت الانتخابات، وصولا إلى مغادرته رئاسة الحكومة وإعلانه عدم الاستمرار على رأس الحزب.
66 مقعدا تنهي مرحلة الـ102
مساء 23 شتنبر، جاءت نتائج الانتخابات التشريعية مخيبة للتجمع الوطني للأحرار، بعدما تراجع من 102 مقعد في انتخابات 2021 إلى 66 مقعدا في استحقاق 2026.
ووفق رواية «جون أفريك»، خرج أخنوش لتهنئة حزب الأصالة والمعاصرة بتصدر الانتخابات، مؤكدا احترامه لاختيار الناخبين ونتائج صناديق الاقتراع، مع دفاعه عن حصيلة ولايته الحكومية وشكره المواطنين الذين منحوا حزبه أصواتهم.
كان ذلك آخر ظهور سياسي بارز في مرحلة طبعها الجمع بين رئاسة الحزب ورئاسة الحكومة. فالرجل الذي قاد التجمع الوطني للأحرار إلى المرتبة الأولى سنة 2021، وأصبح رئيسا للحكومة، وجد نفسه بعد خمس سنوات أمام نتيجة انتخابية أنهت وجود حزبه في صدارة المشهد الحكومي.
ولا يتعلق الأمر بمجرد تراجع عددي في المقاعد، بل بانتهاء تجربة سياسية ارتبطت بشخص أخنوش، وبمدى قدرة حزبه على ترجمة حضوره الحكومي إلى قاعدة انتخابية مستدامة.
ومع انتقال التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة، أصبح السؤال المطروح يتعلق أيضا بمسؤولية القيادة السابقة عن الحصيلة، وبقدرة “القيادة الجديدة” على إعادة بناء صورة الحزب خارج امتيازات المشاركة في الحكومة، وفق المجلة الفرنسية.
صمت البرلمان ومغادرة رئاسة الحكومة
بعد الانتخابات بأيام، ظهر أخنوش إلى جانب خلفته فاطمة الزهراء المنصوري خلال افتتاح السنة التشريعية في 9 أكتوبر، وبحسب ما نقلته المجلة، غادر البرلمان من دون الإدلاء بأي تصريح، رغم أنه كان لا يزال يتولى تصريف الأعمال.
وفي 16 أكتوبر، عُين أعضاء الحكومة الجديدة، قبل أن تجري في اليوم التالي مراسم تسليم السلط بمقر رئاسة الحكومة.
وتصف المجلة أخنوش في هذه اللحظة بأنه غادر المشهد بهدوء، من دون ضجيج أو محاولة لتحويل نهاية ولايته إلى مناسبة سياسية استثنائية.
لكن هدوء المغادرة لا يلغي أهمية ما تنهيه هذه الخطوة، فأخنوش يغادر رئاسة الحكومة بعد خمس سنوات، بعدما سبق أن قاد حزبه لعقد كامل، وأصبح أحد أبرز الوجوه التي ارتبطت بها التجربة الحكومية السابقة.
وبهذا المعنى، فإن نهاية ولايته لا تعني فقط انتقال المسؤولية إلى رئيسة حكومة جديدة، بل تضع حداً لمرحلة تداخلت فيها القيادة الحزبية مع المسؤولية التنفيذية، وأصبح فيها اسم أخنوش عنوانا مركزيا للنقاش حول حصيلة الحكومة وعلاقتها بالمصالح الاقتصادية.
من أكادير إلى «أكوا».. هل يغادر السياسة نهائيا؟
رغم مغادرته رئاسة الحكومة، يظل أخنوش رسميا رئيسا للمجلس الجماعي لأكادير إلى غاية 2027. غير أن مؤشرات الابتعاد عن هذه المسؤولية ظهرت بدورها، إذ انعقدت الدورة العادية للمجلس يوم 7 أكتوبر في غيابه، بحضور نائبه مصطفى بودرقة.
وتنقل «جون أفريك» عن مصدر قريب منه أنه لا ينوي الترشح لولاية جديدة في أكادير، كما يستبعد أن يتحول إلى مستشار غير رسمي داخل التجمع الوطني للأحرار.
ويختصر المصدر موقفه بالقول إن «من يغادر السياسة يغادرها نهائيا»، مضيفا أن الحزب يتوفر على مؤسسات وكفاءات قادرة على تدبير شؤونه.
وإذا تأكد هذا التوجه، فإن أخنوش يكون قد اختار الابتعاد عن السياسة بمختلف مستوياتها، لا الاكتفاء بالتخلي عن رئاسة الحزب أو مغادرة مقر الحكومة، وهي نقطة أساسية في قراءة التقرير الفرنسي، الذي يميز بين وضوح قرار الرحيل واستمرار الغموض بشأن تفاصيل المرحلة المقبلة.
أما الوجهة الأكثر وضوحا، فتتمثل في العودة إلى عالم المال والأعمال، واستئناف الإشراف على مجموعة «أكوا»، بعدما أعلن، عقب تعيينه رئيساً للحكومة سنة 2021، انسحابه من تدبير المجموعة العائلية وإدارة مساهماته المالية، رغم أن القانون لم يكن يفرض عليه اتخاذ ذلك القرار بهذه الصيغة.
وتعيد هذه العودة إلى الواجهة سؤال الفصل بين المسؤولية السياسية والمصالح الاقتصادية، وهو سؤال لازم مسار أخنوش بسبب موقعه كرجل أعمال بارز تولى رئاسة الحكومة.
حزب تلاحقه لعنة الولادة
لكن مغادرة أخنوش لا تضع حدا للأسئلة المتعلقة بالتجمع الوطني للأحرار، فالحزب الذي يتولى محمد شوكي قيادته اليوم ليس تنظيما وليد اللحظة، بل هو حزب تأسس سنة 1978 في سياق سياسي خاص، ارتبط فيه نشوء تنظيمات حزبية جديدة بحسابات الدولة وإعادة ترتيب المشهد السياسي.
ومن هنا، يمكن فهم عبارة «لعنة الولادة» باعتبارها توصيفا نقديا للإرث التاريخي الذي يلاحق الحزب، لا حكماً قانونيا أو حقيقة محسومة بشأن جميع مراحله.
فمنتقدو التجمع الوطني للأحرار يرون أن علاقته التاريخية بالدولة والإدارة ظلت عاملا مؤثرا في صورته العامة، وأنه لم ينجح بصورة نهائية في تبديد الشكوك المتعلقة باستقلال قراره عن مراكز النفوذ.
إن السؤال ليس ما إذا كان الحزب قد شارك في الانتخابات وفاز بمقاعد أو قاد الحكومة، بل ما إذا كان قد بنى استقلالا مؤسساتيا يسمح له بالاستمرار في المعارضة، واتخاذ مواقف قد تتعارض مع مصالح السلطة التنفيذية، من دون أن تتحدد خياراته وفقا لموقعه من مراكز القرار.
فالحزب لا تُقاس استقلاليته فقط بقدرته على الوصول إلى الحكومة، بل أيضا بقدرته على مغادرتها، وممارسة المعارضة، ومحاسبة السلطة، وتقديم بدائل سياسية من داخل مؤسساته.
وهنا تصبح مغادرة أخنوش اختبارا للتجمع الوطني للأحرار، فإذا كان الرجل قد شكل خلال السنوات الماضية مركز الثقل السياسي والتنظيمي للحزب، فإن غيابه يفرض على القيادة الجديدة إثبات أن التنظيم قادر على تجاوز الشخص، وأن مؤسساته ليست مجرد امتداد لنفوذ رئيسه السابق.
أخنوش ليس أول من أعلن الرحيل ثم عاد
تستعيد «جون أفريك» محطة سابقة من مسار أخنوش، حين أعلن في ماي 2016 نيته الانسحاب من السياسة، قبل أن يعود بعد أشهر إلى الواجهة ويتولى رئاسة التجمع الوطني للأحرار خلال المؤتمر الاستثنائي المنعقد في 29 أكتوبر من السنة نفسها.
وتكتسب هذه السابقة أهمية في تفسير التحفظ الذي يحيط بمسألة خروجه الحالي، فالمسار السياسي لأخنوش عرف من قبل إعلانا بالابتعاد أعقبه رجوع إلى القيادة، وهو ما يجعل الفصل بين قرار المغادرة وإمكانية العودة مسألة تتجاوز التصريحات إلى ما ستكشفه الممارسة.
وفي يناير 2026، أعلن عدم الاستمرار في قيادة الحزب، ليخلفه محمد شوكي في فبراير، وبعد الانتخابات التشريعية وخروج الحزب من الحكومة، أصبحت مؤشرات الانسحاب أكثر وضوحا، خصوصا مع ما نقلته المجلة عن استبعاد الترشح مجدداً في أكادير أو تولي دور غير رسمي داخل التنظيم.
وفي مقابل قراءة محيط أخنوش الذي يعتبر مشاركته النشيطة في الحملة الانتخابية دعما للحزب ومرشحيه ودفاعا عن الحصيلة الحكومية، يقدم الباحث ياسين البهلولي قراءة أكثر تحفظا، إذ يرى أن مستقبل أخنوش يصعب التنبؤ به بالنظر إلى تاريخ من الانسحاب والعودة، لكنه يعتبر أن السنوات الخمس التي قضاها على رأس الحكومة جعلت إعادة تدويره سياسيا أكثر صعوبة.
وبين القراءتين، يبقى المؤكد أن قرار مغادرة القيادة الحزبية لا يجيب وحده عن جميع الأسئلة المتعلقة بمستقبل الرجل، وإن كانت تفاصيل الانسحاب التي أوردتها المجلة تعزز فرضية طي صفحة سياسية طويلة.
محمد شوكي أمام اختبار “الاستقلال”
مع انتقال رئاسة التجمع الوطني للأحرار إلى محمد شوكي، يصبح التحدي أكبر من تدبير الهياكل التنظيمية أو الحفاظ على تماسك الحزب بعد خسارة قيادة الحكومة.
فالقيادة الجديدة مطالبة بإثبات استقلال قرارها عن رئيس الحزب السابق، وبناء خطاب معارض واضح، وإعادة تحديد العلاقة بين التنظيم والدولة، وتقديم أجوبة عن أسباب التراجع الانتخابي.
ولا يكفي القول إن الحزب يتوفر على مؤسسات وكفاءات، كما نقلت «جون أفريك» عن مصدر قريب من أخنوش؛ إذ إن وجود المؤسسات شيء، وقدرتها على ممارسة استقلال فعلي شيء آخر.
والاختبار الحقيقي سيكون في كيفية تدبير الخلافات الداخلية، واختيار المواقف البرلمانية، وممارسة الرقابة على الحكومة الجديدة، ومدى قدرة الحزب على تجديد نخبته وخطابه من دون إعادة إنتاج المركزية التي ارتبطت بمرحلة أخنوش.
نهاية رجل أم بداية امتحان للحزب؟
تكشف تفاصيل «جون أفريك» أن خروج أخنوش لم يحدث في لحظة واحدة، بل عبر محطات متتابعة: ابتعاد عن الكاميرات، وانتهاء الحملة الانتخابية، وصمت بعد النتائج، ثم مغادرة رئاسة الحكومة والتوجه نحو الأعمال، مع مؤشرات على الابتعاد عن المسؤوليات الحزبية والمحلية.
لكن دلالة هذه المحطات تتجاوز السيرة الشخصية لرئيس الحكومة السابق. فهي تعيد طرح سؤال طبيعة الأحزاب في المغرب، وحدود استقلالها عن الدولة والإدارة، وقدرتها على بناء شرعية تستند إلى المجتمع والبرامج والتنافس الديمقراطي.
وبالنسبة إلى التجمع الوطني للأحرار، فإن التحدي ليس فقط تجاوز أخنوش، بل تجاوز الصورة التاريخية التي تلاحقه، وإثبات أن الحزب قادر على أن يكون تنظيما سياسيا مستقلا، لا مجرد حزب تتغير قيادته بينما تبقى الأسئلة القديمة حول علاقته بمراكز النفوذ بلا جواب.
لقد غادر أخنوش رئاسة الحكومة، ويتجه، وفق ما أوردته المجلة، إلى الابتعاد نهائيا عن السياسة والعودة إلى «أكوا». أما التجمع الوطني للأحرار، فقد غادر مرحلة القيادة الحكومية ليدخل امتحان المعارضة.
ويبقى السؤال: هل تكون نهاية مرحلة أخنوش بداية استقلال مؤسساتي حقيقي للحزب، أم أن «لعنة الولادة» ستظل تلاحقه، حتى بعد رحيل الرجل الذي قاده إلى قمة السلطة؟





