الرئسيةسياسة

حفيظ: لا مصالحة دون استكمال الحقيقة

تواصل «دابا بريس» نشر حلقات سلسلة فكرية وحقوقية يسلط من خلالها الأستاذ الجامعي والفاعل السياسي محمد حفيظ الضوء على قضايا الإنصاف والمصالحة، وأسُس بناء مصالحة حقيقية مع الماضي، من استكمال كشف الحقيقة في ملفات سنوات الجمر والرصاص إلى حفظ الذاكرة وضمان عدم تكرار الانتهاكات. سلسلة تفتح الملفات التي لم تُغلق بعد، وتطرح سؤال الحقيقة باعتبارها مدخلا لفهم الماضي وصون المستقبل.

أكد محمد حفيظ، الأستاذ الجامعي والفاعل السياسي، أن الكشف عن حقيقة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي شهدها المغرب خلال سنوات الرصاص لا يمكن أن يحقق أهدافه ما لم يقترن بتوثيق الوقائع وحفظها وإتاحتها للأجيال المتعاقبة، محذرا من أن إعلان طي صفحة الماضي دون استكمال الحقيقة وضمان عدم تكرار الانتهاكات قد يفرغ تجربة العدالة الانتقالية من جزء أساسي من مضمونها.

وقال حفيظ، في مداخلة شارك بها في ندوة «من أجل حقيقة كاملة وذاكرة متقدة»، التي نظمها أصدقاء الفقيد محمد الرحوي، أحد ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خلال سنوات الجمر والرصاص، بمناسبة حفل تأبيني أقيم لذكراه يومي 29 و30 أبريل 2023، إن البحث عن الحقيقة لا يستهدف مجرد معرفة ما جرى، وإنما يقتضي أيضا توثيقه وحفظه وجعله متاحا للمجتمع والأجيال القادمة.

وأضاف أن استحضار الماضي وتوثيق الانتهاكات يشكلان مدخلا أساسيا لمنع تكرارها، مشددا على أن حماية الذاكرة الجماعية ليست مجرد إجراء شكلي، بل مسؤولية تاريخية تتجاوز استعادة الوقائع إلى استخلاص الدروس التي تضمن حماية الحاضر والمستقبل.

الحقيقة شرط لمنع التكرار

وأوضح محمد حفيظ أن الكشف عن الحقيقة والإقرار بوقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان لا يكفيان وحدهما لضمان عدم تكرارها، ما لم تصاحبهما تدابير عملية لحفظ الذاكرة، من خلال توثيق الانتهاكات وصيانة الشهادات والوثائق ذات الصلة وإتاحتها أمام الجمهور.

واعتبر أن هذا المسار، الذي يندرج ضمن ما يسمى «الحفظ الإيجابي للذاكرة»، يكتسي أهمية خاصة في حماية التاريخ من التحريف والتزوير ومحاولات الطمس والإنكار، مؤكدا أن عدم استكمال الكشف عن الحقيقة يترك الباب مفتوحا أمام استمرار الشكوك بشأن مدى تحقق أهداف العدالة الانتقالية.

وقال حفيظ إن الاطمئنان إلى عدم تكرار الانتهاكات يظل رهينا بكشف الحقيقة بشكل كامل، وتوثيق الوقائع بأمانة، وصون الذاكرة من كل ما يمكن أن يحجبها أو يشوهها.

وأضاف أن الأمر يتعلق بمهمة تاريخية تنطلق من الماضي، لكنها تستهدف الحاضر والمستقبل، ولا ينبغي اختزالها في مجرد إعلان سياسي عن تجاوز المرحلة الأليمة أو تحسين صورة البلاد، دون استكمال مقتضيات الحقيقة والعدالة والإنصاف وضمانات عدم التكرار.

هل المغرب محصن من الانتكاس؟

وفي امتداد لهذا الطرح، أثار الأستاذ الجامعي والفاعل السياسي سؤالا جوهريا بشأن مدى تحصين المغرب من خطر العودة إلى ممارسات الماضي، متسائلا عما إذا كان من الممكن أن تتكرر انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، حتى وإن اتخذت أشكالا وأساليب مختلفة عن تلك التي عرفتها سنوات الرصاص.

وأوضح حفيظ أن التكرار لا يعني بالضرورة إعادة إنتاج الوقائع التاريخية نفسها، وإنما يشمل احتمال عودة الدولة أو مؤسساتها أو مسؤولين وأفراد يعملون في أجهزتها، بما فيها الأجهزة الأمنية والقضائية، إلى ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان.

وأفاد بأن استمرار الانتهاكات، أو بقاء المواطنين في حالة خوف من احتمال تكرارها، يطرح تساؤلات بشأن جدية تحقق الأهداف التي سعت إليها تجربة الكشف عن الحقيقة وحفظ الذاكرة، ومدى فعالية التدابير التي اتخذت لضمان عدم التكرار.

وشدد على أن المصالحة الفعلية بين الدولة والمجتمع لا يمكن أن تقوم على إعلان نهاية الماضي وحده، بل تحتاج إلى ضمانات ملموسة تعزز الثقة وتحمي الحقوق والحريات وتحول دون عودة الانتهاكات.

وفي السياق ذاته، استحضر حفيظ ما ورد في أحد منشورات المجلس الوطني لحقوق الإنسان بشأن أهمية الحفظ الإيجابي للذاكرة وصيانة الأرشيف الوطني وإعادة كتابة التاريخ، باعتبارها عناصر أساسية في تجارب العدالة الانتقالية الرامية إلى بناء مستقبل يضمن المصالحة الفعلية بين الدولة والمواطنين.

من طي صفحة الماضي إلى طي مطلب الحقيقة

وفي محور آخر من مداخلته، سجل محمد حفيظ ما اعتبره مفارقة مقلقة، تتمثل في الانتقال من انتظار طي صفحة سنوات الرصاص إلى بروز مؤشرات على طي صفحة المطالبة بالحقيقة نفسها، في ظل تراجع حضور هذا المطلب في الخطاب السياسي والحقوقي والإعلامي.

وقال حفيظ إن المطالبة باستكمال الكشف عن الحقيقة أصبحت تصدر أساسا عن ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، من ضحايا الاختطاف والاختفاء القسري والتعذيب، وعائلاتهم، إلى جانب بعض الجمعيات الحقوقية.

وأضاف أن مطلب استكمال الحقيقة تراجع بشكل ملحوظ في خطاب الأحزاب السياسية وممارساتها، بما فيها أحزاب كان عدد من مناضليها وقيادييها من ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، مشيرا إلى أن بعض هذه الأحزاب كادت تتخلى عن مواصلة رفع هذا المطلب.

واعتبر أن هذا التراجع يثير أسئلة بشأن موقع الذاكرة الحقوقية في العمل السياسي الراهن، ومدى استمرار الالتزام باستكمال المسار الذي أطلقته تجربة العدالة الانتقالية.

ولفت حفيظ كذلك إلى تراجع حضور مطلب الكشف عن الحقيقة في وسائل الإعلام، بل تغييب النقاش بشأنه في بعض الحالات، رغم الدور الذي يمكن أن تضطلع به الصحافة في توثيق الوقائع وإتاحة شهادات الضحايا وإبقاء ملف الانتهاكات حاضرا في النقاش العمومي.

حين يتحول الأرشيف إلى حاجز أمام الحقيقة

واستحضر محمد حفيظ تجارب صحافية ساهمت في كشف جوانب من ماضي الانتهاكات، مشيرا إلى تجربة «النشرة»، التي أجرت حوارات مع ضحايا سنوات الرصاص قبل تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة، وتجربة «الصحيفة»، التي أنجزت ملفات سلطت الضوء على وقائع الماضي، فضلا عن تجربة جريدة «الحياة».

وفي هذا الإطار، توقف عند الدعوى القضائية التي رفعها أحمد حرزني، رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان آنذاك، ضد جريدة «الحياة» سنة 2008، بسبب نشر شهادات أدلى بها أصحابها أمام فريق التحريات التابع لهيئة الإنصاف والمصالحة.

وأوضح حفيظ أن المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان استند، في الدعوى، إلى مسؤوليته عن متابعة تفعيل توصيات الهيئة وحماية الأرشيف الذي عهد إليه به، فيما أصدرت المحكمة الابتدائية بالرباط حكما استعجاليا قضى بوقف نشر الشهادات.

وأضاف أن «الحياة» كانت قد نشرت شهادات لمحمد الحبابي ومولاي المهدي العلوي والقايد البشير، فضلا عن تقرير لفريق التحري في قضية عمر بنجلون، قبل أن تؤدي الدعوى القضائية إلى وقف نشر تلك المواد.

واعتبر حفيظ أن هذه الواقعة تطرح إشكالا جوهريا بشأن العلاقة بين حماية الأرشيف وحق المجتمع في الاطلاع على الحقيقة، خاصة عندما يتعلق الأمر بشهادات مرتبطة بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

واستشهد بموقف محمد الحبابي، الذي عبّر، في استجواب نشرته «الحياة» يوم 18 يوليوز 2008، عن رفضه تحويل شهادته إلى وثيقة سرية تحجب عن الرأي العام، مؤكدا أنه لم يدل بها لكي تتحول إلى أرشيف مغلق أمام المواطنين.

وتكشف هذه القضية، وفق ما تطرحه المداخلة، عن التوتر بين حماية الوثائق من جهة، وضمان حق المجتمع في المعرفة والاطلاع على شهادات الضحايا من جهة أخرى، وهو ما يجعل مسألة إتاحة الأرشيف جزءا أساسيا من النقاش حول استكمال الحقيقة وصون الذاكرة الجماعية.

عشرون سنة.. والحقيقة لم تكتمل

وفي ختام هذا المحور من مداخلته، عاد محمد حفيظ إلى مطلب «استكمال الكشف عن الحقيقة»، الوارد في أرضية الندوة، معتبرا أن استمرار الضحايا في المطالبة به، بعد مرور عشرين سنة على انطلاق مسلسل العدالة الانتقالية، يؤكد أن الحقيقة لم تكتمل بعد.

وقال إن رفع هذا المطلب يعني الإقرار بوجود جوانب من الماضي ما تزال في حاجة إلى الكشف والتوثيق والحفظ، محذرا من أن توقف المسار قبل استكماله قد يحول دون بلوغ الأهداف التي أُنشئ من أجلها.

وشبه حفيظ الحقيقة غير المكتملة بجنين لم يستوف شروط نموه، معتبرا أن استكمال الكشف عن الوقائع ليس تفصيلا ثانويا، بل ضرورة لضمان استمرار المسار الحقوقي وتحقيق غاياته.

وتبرز مداخلة محمد حفيظ أن جبر الضرر الفردي والجماعي الناجم عن انتهاكات الماضي ينبغي أن يترافق مع ضمانات فعلية تحول دون وقوع انتهاكات جديدة، وأن المصالحة لا تكتمل بمجرد إعلان نهاية مرحلة تاريخية مؤلمة، وإنما تستلزم حقيقة موثقة وذاكرة مصونة ومؤسسات تحترم الحقوق والحريات.

وبهذا المعنى، فإن طي صفحة سنوات الرصاص لا يعني إغلاق ملفها أو إبعاد وقائعها عن النقاش العمومي، بل قراءتها كاملة، واستكمال ما لم يُكشف من حقيقتها، وحفظ شهادات ضحاياها، واستخلاص الدروس الكفيلة بمنع تكرار الانتهاكات.

فالرهان، كما تخلص إليه مداخلة حفيظ، لا يتعلق فقط بكيفية التعامل مع الماضي، بل أيضا بمدى القدرة على بناء حاضر ومستقبل لا يخشى فيه المواطنون عودة الانتهاكات. ذلك أن طي الصفحة لا يصبح ممكنا بمجرد إعلان نهايتها، بل يقتضي أولا قراءتها واستكمال حقيقتها وصون ذاكرتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى