
هل تستطيع الحكومة انتزاع السوق من قبضة الوسطاء؟
فتح فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، خلال تقديم جواب الحكومة بشأن مشروع قانون مالية 2027، ملفا يتجاوز ارتفاع الأسعار إلى اختلالات أعمق في تنظيم السوق، معلنا ضرورة ضبط التصدير، وإعطاء الأولوية لتموين السوق الوطنية، وتأهيل أسواق الجملة ومراجعة آليات الدعم الاجتماعي، لكن الاعتراف بالمشكلة يضع الحكومة أمام سؤال أكثر إلحاحا: كيف يتحول هذا التشخيص إلى انخفاض ملموس في كلفة المعيشة؟
من أزمة الإنتاج إلى معركة الأسعار
ربط لقجع ضرورة إعادة تنظيم التصدير بتداعيات سبع سنوات من الجفاف وارتفاع الأسعار داخليا، معتبرا أن استمرار خروج المنتجات بوتيرة مرتفعة يستوجب مراعاة حاجيات المستهلك المغربي، غير أن الرهان لا يتعلق بمفاضلة بسيطة بين السوق الخارجية والداخلية، بل بتحقيق توازن يحمي التموين الوطني دون الإضرار بالمنتجين ومداخيلهم وأسواق التصدير.
وتكشف الأرقام حساسية هذا التوازن؛ فقد ارتفع مؤشر أسعار الاستهلاك خلال شتنبر 2026 بنسبة 1% شهريا، فيما زادت أسعار المواد الغذائية بـ1.6%، وارتفعت أسعار اللحوم والخضر بـ4.3% لكل منهما، وفق المندوبية السامية للتخطيط. ورغم تراجع الأسعار الغذائية سنويا بـ2.5%، فإن التقلبات الشهرية تظل ضغطا مباشرا على ميزانيات الأسر، وتكتسي هذه التطورات أهميتها الاجتماعية بالنظر إلى أن الغذاء يستحوذ على 38.2% من نفقات الأسر، وفق بحث مستوى المعيشة لسنتي 2022 و2023.
12 سوقا للجملة.. أين يضيع ثمن السلعة؟
وضع الوزير تعدد الوسطاء واختلال هوامش الربح ضمن مكامن الخلل، معلنا تصورا لتأهيل 12 سوقا رئيسيا للجملة، وتحديث بنياتها، وتعزيز الشفافية والمنافسة، مع مراجعة الرسوم والضرائب التي ترفع تكاليف المعاملات.
لكن تحديث الأسواق لن يكون كافيا إن ظلت كلفة النقل والتخزين والتبريد، وضعف التنظيم والمعلومات، تفتح المجال لتضخم الفارق بين ما يتقاضاه المنتج وما يؤديه المستهلك، فالإصلاح المطلوب يقتضي شفافية الأسعار، ومراقبة المنافسة، وتقليص حلقات الوساطة غير الضرورية، دون استهداف التجار لمجرد ممارسة نشاطهم.
الدعم الاجتماعي.. اختبار آخر للإنصاف
وامتد تشخيص لقجع إلى مؤشر الاستحقاق الاجتماعي، داعيا إلى مراجعة طريقة احتسابه حتى لا تفقد أسر دعمها بسبب تغيرات محدودة في نفقاتها، وهي قضية تتصل بجوهر العدالة الاجتماعية: ألا تتحول معايير الاستهداف إلى عتبة تقصي أسرا هشة بسبب فروق طفيفة، فيما تظل قدرتها الشرائية محدودة.
سياسيا، تضع هذه التعهدات الحكومة أمام امتحان النتائج، لا النوايا، فضبط التصدير يحتاج قواعد معلنة ومؤشرات دقيقة للتموين، وإصلاح أسواق الجملة يستلزم آجالا ومحاسبة، والدعم يحتاج معايير منصفة قابلة للمراجعة.
فالمواطن لا ينتظر إعادة ترتيب لغة السياسات، بل تغييرا في فاتورة السوق، وبين الاعتراف بالغلاء وتخفيفه مسافة لا تقطعها التصريحات، وإنما إصلاح يضمن ألا يظل المنتج يشتغل والمستهلك يدفع، فيما تضيع القيمة بينهما.





