
الناظور أمام اختبار السيادة الصناعية
يستعد الناظور لاحتضان مشروع صناعي بقيمة 239 مليون دولار لإنتاج وقود الطيران المستدام، في استثمار تطوره شركة شركة «غرين سكاي كابيتال» (Green Sky Capital) داخل المركب المرفئي الناظور غرب المتوسط، واضعا المغرب أمام رهان يتجاوز استقطاب الرساميل إلى بناء صناعة خضراء قادرة على خلق القيمة المضافة وتقليص التبعية الطاقي، غير أن المشروع، رغم آفاقه الواعدة، يطرح أسئلة حول تموينه بالمواد الأولية، وشروط تمويله، وحجم المكاسب الاقتصادية التي ستبقى داخل البلاد.
200 ألف طن.. من النفايات إلى وقود استراتيجي
يرتقب أن تبلغ الطاقة الإنتاجية المستهدفة للمصنع ما يصل إلى 200 ألف طن سنويا من وقود الطيران المستدام، وفق المعطيات المنشورة، فيما تشير وثائق تقنية إلى تقديرات تقارب 176 ألف طن، إلى جانب الديزل المتجدد والنافثا الحيوية وكميات محدودة من البروبان الحيوي، وسيمتد المشروع على مساحة تناهز 88 ألف متر مربع، مع اعتماد تكنولوجيا (هيفا)«HEFA» المرخصة من شركة (اكسنس) «Axens»، لمعالجة الزيوت والدهون وتحويلها إلى وقود متجدد.
وتكتسب هذه الصناعة أهميتها من قدرتها على تثمين الزيوت المستعملة ومخلفات الصناعات الغذائية، وتوفير بديل جزئي للكيروسين الأحفوري، كما يفتح التوجه الأوروبي نحو رفع حصة وقود الطيران المستدام إلى 6% سنة 2030، مقابل 2% سنة 2025، آفاقا تجارية أمام المنتجين المستوفين لشروط الاستدامة والمطابقة.
لكن التحول إلى الوقود الأخضر لا يلغي تلقائيا الكلفة البيئية، إذ تظل الحصيلة مرتبطة بمصدر المواد الأولية، واستهلاك الطاقة والهيدروجين، والانبعاثات الناتجة عن مختلف مراحل الإنتاج.
تمويل قيد الدراسة.. وسؤال التبعية للخارج
تبلغ الكلفة الاستثمارية المقدرة 239 مليون دولار، بينما يدرس البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية تقديم قرض يصل إلى 105 ملايين دولار، موزعا بين شطر بقيمة 85 مليون دولار وآخر غير ملتزم به بقيمة 20 مليون دولار، مع مساهمة محتملة للصندوق الأخضر للمناخ تصل إلى 20 مليون دولار ضمن التمويل المقترح.
ولا يتعلق الأمر بتمويل نهائي محسوم، إذ يظل المشروع خاضعا للمراجعة والمصادقة، كما تكشف حاجيات المصنع، المقدرة بنحو 200 ألف طن سنويا من المواد الأولية، عن تحد إضافي؛ فالتقديرات المتداولة تشير إلى الاعتماد على التموين المحلي والاستيراد، ما يجعل استقرار سلاسل الإمداد عاملا حاسما في تنافسية الإنتاج.
162 وظيفة.. هل تكفي الصناعة الخضراء لإنعاش الشرق؟
يرتقب أن يوفر المشروع نحو 162 منصب شغل خلال مرحلة التشغيل، فضلا عن إمكانية بلوغ 400 فرصة عمل خلال ذروة البناء، بحسب المعطيات المتداولة، كما يتضمن إحداث أكاديمية لتأهيل التقنيين والمهندسين الشباب، بما قد يتيح نقل المهارات وتعزيز الكفاءات المحلية.
غير أن الرهان التنموي لا يقاس بعدد الوظائف وحده، بل بجودتها واستقرارها، وبمدى استفادة المقاولات المغربية من التوريد والخدمات والصيانة والتكوين.
ومع استهداف انطلاق الإنتاج في غشت 2028، تصبح الناظور أمام فرصة صناعية حقيقية، لكنها مشروطة، فنجاح المشروع لن يختبر فقط في حجم الاستثمار أو طاقته الإنتاجية، بل في قدرة المغرب على تحويل الوقود الأخضر إلى ثروة محلية وفرص شغل مستدامة، بدل الاكتفاء باحتضان مصنع يرتبط جزء من تموينه وأسواقه بالخارج.




