
من يشرّع للمغاربة ومن يفصّل الامتيازات للكبار؟
يفتح انطلاق مناقشات مشروع قانون المالية داخل البرلمان معركة تتجاوز الأرقام والتوازنات المالية إلى سؤال أكثر حساسية: من يملك فعليا القدرة على توجيه القرار التشريعي؟ ففي الوقت الذي تنتظر فيه الأسر المغربية إجراءات تخفف الغلاء وتحمي قدرتها الشرائية، تتجدد تحركات مجموعات اقتصادية نافذة، من بينها أصحاب مقالع الرمال وكبار مستوردي الماشية، سعيا إلى انتزاع امتيازات ضريبية وجمركية تفضيلية، وبين مطالب الأقوياء وانتظارات المواطنين، تبرز مخاوف من أن يتحول التشريع إلى أداة لإعادة توزيع المنافع لفائدة من يملكون النفوذ، لا لمن يتحملون كلفة الاختلالات الاقتصادية.
إعفاءات للكبار.. والمواطن يدفع الفاتورة
لا تكمن خطورة هذه المطالب في طبيعتها الجبائية وحدها، بل في غياب ضمانات واضحة تجعل الامتيازات مشروطة بمردودية اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس، فكل إعفاء ضريبي أو جمركي يعني موارد تتنازل عنها الخزينة، وكان بالإمكان توجيهها إلى الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية أو الاستثمار المنتج، وحين لا يقابَل هذا التنازل بالتزامات واضحة بشأن الأسعار والتشغيل والإنتاج، يصبح الامتياز أقرب إلى ريع قانوني منه إلى سياسة اقتصادية تخدم المصلحة العامة.
وتكشف أسعار اللحوم حجم المفارقة، فبالرغم من التدابير المرتبطة بتسهيل استيراد الماشية، لا تزال الأسر تواجه أثمنة مرتفعة تثقل ميزانياتها، ورغم ان هذا لا يكفي وحده لإثبات انعدام أثر الإجراءات، لكنه يفرض مساءلة شروط الاستفادة وهوامش الربح وحلقات الوساطة، والتحقق مما إذا كانت التسهيلات تصل إلى المستهلك أم تتوقف عند المستوردين والموزعين.. فليس من المقبول أن تتحمل المالية العمومية كلفة الامتيازات، بينما يظل المواطن خارج دائرة الاستفادة منها.
البرلمان بين التمثيل الشعبي وتضارب المصالح
تزداد حساسية الملف حين تتقاطع المصالح الاقتصادية الخاصة مع المسؤولية التشريعية، في ظل وجود برلمانيين لهم استثمارات في قطاعات العقار والفلاحة والتصدير والنسيج، فامتلاك المصالح الخاصة ليس مخالفة في حد ذاته، لكن المشاركة في صياغة قرارات قد تؤثر فيها تفرض قواعد صارمة للإفصاح والحياد والتنحي، حتى لا يتحول الموقع الانتخابي إلى مدخل محتمل لخدمة المصالح الذاتية.
وتمنح مؤشرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذا القلق بعدا مؤسساتيا؛ فتقريرها حول النزاهة ومكافحة الفساد لسنة 2026 يضع المغرب عند 20% فقط من معايير تنظيم أنشطة الضغط على القرار العمومي، مقابل صفر في الممارسة، كما يسجل استيفاء 78% من معايير تنظيم تضارب المصالح، مقابل 33% في التطبيق العملي، والأخطر أن المنظمة تشير إلى غياب إطار يحدد بوضوح الجهات والأنشطة المرتبطة بالضغط، وعدم وجود نظام للإفصاح عنها أو سلطة مركزية لمراقبتها.
من يملك الوصول إلى مؤسسات الدولة؟
هنا تتجاوز المشكلة حدود الأخلاقيات البرلمانية لتصبح قضية عدالة اجتماعية. فالمواطن الذي يواجه الغلاء لا يملك جماعات ضغط تدافع عن دخله، والمقاولة الصغيرة التي تتحمل الضرائب لا تجلس بالضرورة إلى الطاولة نفسها التي تُناقش فوقها الامتيازات، وحين تتقدم تعديلات تخدم مصالح اقتصادية بسرعة، بينما تنتظر مشاريع ذات منفعة عامة سنوات داخل الرفوف، يصبح تكافؤ الفرص في الوصول إلى القرار موضع مساءلة، وتتراجع الثقة في مؤسسة يفترض أن تمثل الجميع.
المطلوب نشر مبررات الإعفاءات وكلفتها، وتحديد المستفيدين منها، وربطها بنتائج قابلة للقياس، إلى جانب تشديد قواعد التصريح بالمصالح ومراقبة حالات تضاربها، فالدولة مطالبة بتفسير ما تمنحه بقدر مطالبتها المواطنين بأداء ما عليهم.
“فالخطر ليس أن تدافع المصالح الاقتصادية عن نفسها، بل أن يصبح النفوذ أقوى من المواطنة، وأن تتحول القدرة على الوصول إلى مراكز القرار إلى امتياز يفوق الاستحقاق، وحينها، لا يكون السؤال من ربح الإعفاء وحده، بل من دفع ثمنه دون أن يُستشار.”




