
أعاد الحقوقي مصطفى المنوزي فتح النقاش حول حصيلة تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، وما يرتبط بها من أسئلة عالقة بشأن كشف الحقيقة، وحفظ الذاكرة الوطنية، وضمان عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، معتبراً أن الدفاع عن هذه التجربة لا ينبغي أن يتحول إلى دفاع عن رواية مغلقة، أو إلى محاولة لتجاوز الاختلالات التي ما تزال تنتظر المعالجة.
وفي تفاعل نقدي مع تدوينة اعترضت على معطيات وردت في برنامج إعلامي سبق أن استضاف مسؤولاً سابقاً بجهاز أمني، أوضح المنوزي أن مشاركته في البرنامج جاءت استجابة لدعوة ترتبط بالنضال من أجل تحصين الحق في معرفة الحقيقة، ورد الاعتبار للتجارب الإنسانية المؤلمة، والإسهام في إضاءة الأسئلة التي لم تجد أجوبة نهائية.
وأكد أن الحقيقة لا يمكن اختزالها في الرواية الرسمية، وأن الحق في معرفتها يظل أوسع من حدود ما أنتجته المؤسسات، باعتباره مدخلاً أساسياً لمساءلة الماضي واستكمال ما بقي عالقاً من ملفات الانتهاكات.
الحقيقة بين الشهادة والرواية الرسمية
وشدد المنوزي على ضرورة التمييز بين الوقائع التاريخية، وتفسير السياقات، وتقييم حصيلة تجربة الإنصاف والمصالحة، معتبراً أن أي اعتراض على معطيات وردت في شهادة أو تصريح ينبغي أن يستند إلى تحديد دقيق للوقائع موضوع الخلاف، وتقديم مصادر التصحيح والحجج التي تدعمها.
واعتبر أن إعلان وجود تحريف دون تحديد مواضعه لا يساعد على بناء نقاش جدي، بل يبقي المتلقي أمام تنازع حول المصداقية بدل وضعه أمام معرفة قابلة للتحقق والمراجعة.
وفي هذا السياق، دعا إلى التعامل مع شهادات المعتقلين السياسيين السابقين والفاعلين في مسار التسوية بكل التقدير والإنصات، مع ضرورة التمييز بين ما عاينه الشاهد بشكل مباشر، وما علم به لاحقاً، وما يستنتجه اليوم، مؤكداً أن المساهمة في تجربة الإنصاف والمصالحة لا تمنح أي طرف حق احتكار روايتها أو إغلاق النقاش بشأنها.
الأرشيف.. الحلقة المفقودة في بناء الحقيقة
ومن أبرز القضايا التي أثارها المنوزي مسألة الأرشيف، باعتباره شرطاً أساسياً للانتقال من تعدد الشهادات إلى بناء معرفة عمومية مشتركة وقابلة للفحص.
ويرى أن استمرار صعوبة الوصول إلى الوثائق المرتبطة بالانتهاكات يجعل فرص التحقق غير متكافئة، إذ يمتلك البعض معرفة داخلية أو وثائق لا تتوفر للباحثين والضحايا والرأي العام، الأمر الذي يكرس تفاوتاً في الوصول إلى الحقيقة.
وأكد أن مسؤولية الجهات الحافظة للأرشيف لا تقتصر على صيانة الوثائق، بل تشمل التعريف بمحتوياتها، وتيسير البحث والاطلاع عليها، وتوضيح شروط الولوج والقيود المفروضة، مع ضمان حماية المعطيات الشخصية للضحايا دون تحويل هذه الحماية إلى مبرر للحجب الدائم للمعلومات الضرورية لفهم المسؤوليات.
كما اعتبر أن الأرشيف ليس مجرد ذاكرة للمؤسسات، بل أداة لتصحيح الروايات، بما فيها الرواية الرسمية نفسها، لأن الوثيقة تحتاج بدورها إلى قراءة نقدية تأخذ بعين الاعتبار سياق إنتاجها والجهة التي حررتها وما تثبته وما قد تسكت عنه.
المصالحة لا تنتهي بانتهاء مهمة الهيئة
وفي تقييمه لتجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، دعا المنوزي إلى التمييز بين المدة الزمنية المحددة لعمل الهيئة وبين المسؤولية المستمرة للدولة في تنفيذ توصياتها والكشف عن الحقيقة واستكمال حقوق الضحايا.
واعتبر أن انتهاء مهمة مؤسسة مؤقتة لا يعني انتهاء الالتزامات الحقوقية، ولا يغلق الباب أمام تقييم التجربة ومراجعة حصيلتها، مشدداً على أن الاعتراف بما تحقق ينبغي أن يترافق مع مساءلة ما تعثر، وتحديد المسؤوليات عن عدم استكمال الإصلاحات المطلوبة.
وأشار إلى أن ضمانات عدم التكرار لا ينبغي أن تبقى مجرد شعارات، بل يتعين أن تتحول إلى إجراءات ملموسة، من خلال تعزيز الرقابة على ممارسة السلطة، وحماية المبلغين والشهود، وتفعيل آليات المحاسبة، وضمان إمكانية التبليغ عن التجاوزات دون خوف أو انتقام.
مناهضة الإفلات من العقاب شرط لاستكمال المصالحة
وأكد المنوزي أن الإصلاح المؤسسي وحده لا يكفي إذا ظلت المسؤوليات محجوبة، كما أن محاسبة بعض الأفراد لا تحقق الغاية المطلوبة إذا استمرت البنيات والممارسات التي أتاحت وقوع الانتهاكات.
وشدد على ضرورة الجمع بين المساءلة الفردية والإصلاح المؤسساتي، مع احترام الضمانات القانونية وقرينة البراءة وحقوق الدفاع، حتى لا تتحول المحاسبة إلى تشهير، بل تصبح آلية لحماية الحقوق وإعادة بناء الثقة.
وفي هذا الإطار، اعتبر أن استكمال وعود تجربة الإنصاف والمصالحة يقتضي بالخصوص إصلاح الحكامة الأمنية والقضائية، وتحديد المسؤوليات عن تعثر تنفيذ التوصيات ذات الصلة بالانتقال الديمقراطي.
قانون حصانة العسكريين.. السؤال الأكثر إحراجاً
ولعل أكثر النقاط إثارة في مرافعة المنوزي تتعلق بدعوته إلى إلغاء أو نسخ المادة السادسة من القانون رقم 02.12 المتعلق بضمانات أساسية ممنوحة للعسكريين، والتي يعتبر أنها تطرح إشكالاً حقوقياً بشأن تقديم التصريحات والشهادات والوثائق المرتبطة بفترات عايشها العسكريون بمناسبة مهامهم الأمنية.
وفي هذا السياق، وجه المنوزي دعوة إلى من وصفهم بـ«الفاعلين الحقيقيين» للعمل من أجل مراجعة هذا المقتضى القانوني، متسائلاً عن مواقفهم خلال مرور مشروع القانون في المجلس الوزاري، وعن أسباب عدم إثارة ما يطرحه من إشكالات مرتبطة بالحق في معرفة الحقيقة.
وطرح سؤالاً مباشراً بشأن مدى انسجام هذا القانون مع المكتسبات التي يفتخر بها المغرب في تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، معتبراً أن أي مقتضى من شأنه تقييد الوصول إلى الشهادات والوثائق المرتبطة بالانتهاكات يستدعي نقاشاً حقوقياً وقانونياً جاداً، بالنظر إلى تأثيره المحتمل على كشف الحقيقة وضمان عدم التكرار.
الذاكرة مسؤولية وطنية وليست ملكية مؤسساتية
واختتم المنوزي مداخلته بالتأكيد على أن الدفاع عن تجربة الإنصاف والمصالحة يقتضي تحمل المسؤولية عن آثارها الحقوقية والإنسانية، وتقديم الحساب بشأن ما تحقق وما تعثر، بدل الاكتفاء بالدفاع عن صورتها السياسية والإعلامية.
واستحضر في هذا السياق ما خلفته سنوات الرصاص من ضحايا وخسائر إنسانية، وما أهدرت من كفاءات وطاقات وطنية، وما ألحقته من أضرار بإمكانيات بناء مشروع ديمقراطي حداثي.
واعتبر أن الوفاء لذاكرة الضحايا لا يتحقق بمجرد استحضار الماضي، وإنما باستكمال الإصلاحات، وكشف الحقيقة، وتفعيل المساءلة، وحماية الأجيال المقبلة من تكرار المأساة.
وختم موقفه برسالة واضحة مفادها أن المصالحة تزداد رسوخاً كلما اتسعت دائرة الحقيقة وتحددت المسؤوليات وأصبحت ضمانات عدم التكرار ممارسة مؤسساتية ملموسة، مؤكداً أن النقاش سيظل مفتوحاً ما دام الحق في معرفة الحقيقة الوطنية ومناهضة مأسسة النسيان لم يستوفيا شروطهما.





