الرئسيةحول العالم

الغارديان: العالم يستعيد الأمل بعد هزيمة ترامب

اعتبر الكاتب والمعلق السياسي البريطاني سايمون تيسدال أن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية شكلت انتكاسة سياسية كبيرة للرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري، بعدما كشفت عن تراجع التأييد الداخلي لسياساته وانحسار صورته باعتباره زعيما يتمتع بنفوذ لا تحده القيود.

ورأى أن تداعيات هذه النتائج تجاوزت حدود الولايات المتحدة، لتبعث رسائل ارتياح وأمل لدى شعوب وحكومات تضررت من سياسات واشنطن وتدخلاتها خلال العامين الماضيين، محذرا في المقابل من المبالغة في اعتبار الهزيمة نهاية للتيارات اليمينية المتطرفة أو تحولا جذريا في السياسة الأمريكية.

وفي مقال نشرته صحيفة “الغارديان”، أوضح تيسدال أن انتصار الديمقراطيين حمل دلالات سياسية تتجاوز الحسابات الانتخابية الأمريكية، إذ استقبلته أطراف دولية عديدة باعتباره مؤشرا على إمكانية كبح اندفاع ترامب وإضعاف مشروعه السياسي.

غير أنه شدد على أن الرئيس لا يزال يمسك بزمام السلطة، وأن تراجع موقعه السياسي لا يعني اختفاء النزعات السلطوية والقومية المتشددة التي غذت صعوده.

وأضاف أن صناديق الاقتراع وجهت رسالة رفض واضحة لنهج ترامب، وأضعفت صورته أمام الحلفاء والخصوم، بعدما بدا لفترة وكأنه محصن من المساءلة السياسية وقادر على فرض إرادته دون حساب للعواقب.

هزيمة ترامب تتجاوز حدود واشنطن

وبحسب تيسدال، اختلفت انعكاسات النتائج الانتخابية باختلاف مصالح الدول ومواقفها من الإدارة الأمريكية. ففي إيران، بعث تراجع الجمهوريين آمالا بإمكانية احتواء الحرب التي شنها ترامب على طهران، بينما اعتبر معارضون إسرائيليون لحكومة بنيامين نتنياهو أن خسارة أحد أبرز حلفائها في واشنطن تمثل ضربة سياسية محرجة للائتلاف الحاكم.

أما في أوكرانيا، فقد ارتفعت التوقعات بإمكانية أن يؤدي تغير موازين القوى داخل الكونغرس إلى الحد من سياسة التساهل التي انتهجها ترامب تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وإلى إعادة النظر في الضغوط الأمريكية الرامية إلى دفع كييف نحو تقديم تنازلات.

وفي القارة الأوروبية، رأى الكاتب أن انحسار النفوذ السياسي لترامب قد يفتح نافذة لإعادة ترميم العلاقات بين ضفتي الأطلسي، والتخفيف من آثار التوتر الذي خلفته حركة “ماغا”، بشعاراتها القومية وسياساتها التي وضعت التحالفات التقليدية لواشنطن أمام اختبارات غير مسبوقة.

ومع ذلك، نبه تيسدال إلى أن تراجع ترامب قد لا يدفعه بالضرورة إلى التهدئة، بل ربما يجعله أكثر ميلا إلى التصعيد، خصوصا أنه لا يتعامل بسهولة مع الهزائم أو الانتقادات، وقد يحول شعوره بالإحباط إلى قرارات متسرعة ومواجهات سياسية خارجية.

إيران وأوكرانيا.. مخاطر التصعيد وصفقات النفوذ

وفي ما يخص الملف الإيراني، اعتبر تيسدال أن الرهان على انتهاء الحرب لا يزال سابقا لأوانه، في ظل احتمال استئناف العمليات العسكرية أو توسيعها، خاصة مع استمرار تأثير بنيامين نتنياهو في توجهات ترامب.

كما أن رغبة الرئيس الأمريكي في تحقيق إنجاز سياسي يخلد اسمه، ولا سيما في ملف البرنامج النووي الإيراني، قد تدفعه إلى المغامرة العسكرية رغم تراجع التأييد الجمهوري لهذا المسار، ومن بين الأصوات المتحفظة نائب الرئيس جيه دي فانس.

وفي الملف الروسي الأوكراني، انتقد الكاتب طريقة تعامل ترامب مع الحرب، معتبرا أنه قلب معادلة المسؤولية من خلال ممارسة الضغوط على أوكرانيا، في الوقت الذي منح فيه بوتين هامشا سياسيا، رغم أن روسيا هي الطرف الذي بدأ الغزو.

وأوضح أن ترامب لا ينظر إلى الحرب باعتبارها معركة للدفاع عن سيادة أوكرانيا، بقدر ما يتعامل معها باعتبارها عائقا أمام إعادة بناء علاقات اقتصادية وتجارية مع موسكو.

كما يراهن على استمالة روسيا وإبعادها عن الصين، ضمن استراتيجية تشبه ما يمكن وصفه بـ”نيكسون المعكوس”، إلى جانب سعيه إلى تسجيل إنجاز دبلوماسي قد يعزز طموحاته في الحصول على جائزة نوبل للسلام.

ورأى تيسدال أن ضعف ترامب السياسي قد يخلق مفارقة تتمثل في زيادة فرص التوصل إلى وقف لإطلاق النار، بالنظر إلى أن بوتين قد يعتبر المرحلة الحالية فرصة مناسبة للخروج من الحرب باتفاق يوفر له مكسبا سياسيا، في ظل الصعوبات العسكرية والاقتصادية التي تواجه بلاده.

لكن هذا الاحتمال، بحسب الكاتب، لا يخلو من مخاطر على أوكرانيا، إذ قد تتحول التسوية إلى وسيلة لفرض تنازلات ترابية وسيادية على كييف، من خلال التهديد بوقف المساعدات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية، وحرمانها من ضمانات أمنية جدية.

الكونغرس يضيق الخناق على الإدارة الأمريكية

وعلى المستوى الداخلي، أشار تيسدال إلى أن ترامب سيحتفظ بصلاحيات واسعة في تدبير السياسة الخارجية والدفاعية، لكن انتقال السيطرة على الكونغرس إلى الديمقراطيين ابتداء من يناير سيضع إدارته أمام رقابة أكثر صرامة.

وتشمل هذه الرقابة القرارات التنفيذية، والإنفاق العمومي، والميزانيات، فضلا عن التحقيق في شبهات الفساد واستغلال السلطة. واعتبر أن وزير الدفاع بيت هيغسيث قد يكون من أبرز المسؤولين الذين سيواجهون تداعيات هذا التحول، في وقت يمكن أن تزيد فيه محاولات الديمقراطيين الدفع نحو عزل ترامب من الضغوط السياسية المحيطة به.

ومع ذلك، استبعد الكاتب أن تفضي هذه المتغيرات إلى انقلاب جذري في توجهات السياسة الأمريكية، مؤكدا أن الدعم الأمريكي لإسرائيل سيظل قائما، بغض النظر عن التوازنات السياسية داخل واشنطن، بما يعني استمرار تجاهل الحقوق الأساسية للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.

كما توقع عودة التوترات التجارية مع أوروبا وكندا، وتجدد تهديدات ترامب بشأن التزامات الولايات المتحدة داخل حلف شمال الأطلسي، فضلا عن احتمال لجوئه إلى مغامرات خارجية جديدة، من بينها محاولة تغيير النظام في كوبا، على غرار ما حدث في فنزويلا.

وفي المقابل، اعتبر أن الصين ستواصل استثمار التراجع النسبي للنفوذ الأمريكي لتعزيز موقعها الدولي، في وقت لا تزال فيه فرص التوصل إلى اتفاقيات للحد من انتشار الأسلحة النووية ضعيفة، بينما لا تمنح إدارة ترامب أزمة المناخ الاهتمام الذي تستحقه. ودعا الديمقراطيين إلى استغلال موقعهم داخل الكونغرس لإعادة الاعتبار لميزانية المساعدات الخارجية الأمريكية.

هل يتعلم ترامب من الهزيمة؟

وتوقف تيسدال عند السؤال المتعلق بمدى استعداد ترامب لمراجعة اختياراته السياسية بعد هذه الانتكاسة، معتبرا أن الرسالة الانتخابية كانت واضحة في رفض قطاعات واسعة من الأمريكيين لسياساته، وفي الدفاع عن المؤسسات الديمقراطية وآليات المحاسبة.

غير أنه لم يبد تفاؤلا كبيرا بشأن إمكانية حدوث مراجعة حقيقية، بالنظر إلى طبيعة ترامب السياسية وتمسكه بأسلوبه القائم على رفض النقد وعدم الاعتراف بالأخطاء. وتوقع أن تتواصل خلال الفترة المتبقية من ولايته التجاوزات في استعمال السلطة، والتدخلات الخارجية، والصراعات التجارية، إلى جانب احتمال اللجوء إلى مغامرات عسكرية جديدة.

وختم الكاتب قراءته بالإشارة إلى أن تراجع ترامب لا يمثل مجرد تطور في المشهد السياسي الأمريكي، بل قد يكون جزءا من موجة أوسع لإعادة إحياء الآمال الديمقراطية على المستوى الدولي، خصوصا في ظل الانتصارات التي حققتها قوى تقدمية في المجر وصربيا والبرازيل.

ورأى أن هذه التحولات قد تمهد لهزائم إضافية لليمين المتطرف والقوميين الشعبويين، بعدما تراجعت صورة هذا التيار باعتباره قوة سياسية لا يمكن إيقافها بفضل صعود ترامب وحركة “ماغا”.

ووضع تيسدال إسبانيا ضمن المحطات المحتملة لهذا التحول، مع ترقب ما قد تحمله الانتخابات الفرنسية سنة 2027، معتبرا أن الهزائم التي كانت تبدو بعيدة عن حسابات اليمين المتطرف أصبحت اليوم احتمالا سياسيا واقعيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى