
شكل وضع المدافعات عن حقوق الإنسان في المغرب مدخلا أساسيا لفهم دينامية الحريات والعدالة الاجتماعية داخل البلاد، بالنظر إلى الدور المحوري الذي تضطلع به هذه الفئة في الدفاع عن الكرامة والمساواة ومناهضة مختلف أشكال التمييز والعنف.
فقد برزت خلال السنوات الأخيرة مبادرات شبابية ونسائية، من بينها مجموعة نساء شابات من أجل الديمقراطية، لتسليط الضوء على التحديات المركبة التي تواجهها النساء المنخرطات في العمل الحقوقي، سواء على المستوى القانوني أو الاجتماعي أو السياسي.
“اختلالات بنيوية” في حماية الحيز المدني
في هذا الإطار أصدرت مجموعة شابات من أجل الديمقراطية، تقريرا تحليليا جديدا يخص وضعية المدافعات عن حقوق الإنسان في المغرب خلال سنة 2025، ذكرت فيه ب“تنامي أنماط القمع متعدد الأبعاد” الذي يستهدف ناشطات ومناضلات في مجالات الحريات العامة وحقوق النساء والعدالة الاجتماعية، معتبرة أن ما يجري يعكس “اختلالات بنيوية” في حماية الحيز المدني.
تخوض المدافعات عن حقوق الإنسان في المغرب نضالا يوميا يتجاوز المطالب الفئوية الضيقة، ليطال قضايا بنيوية ترتبط بالحقوق والحريات الأساسية، من قبيل حرية التعبير، والحق في التنظيم، والعدالة الاجتماعية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى مناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي.
غير أن هذا الانخراط يتم داخل بيئة تتسم بتعقيد متزايد، حيث تتداخل الضغوط القانونية والمؤسساتية مع أنماط من الوصم الاجتماعي والتحريض والتمييز، ما يجعل ممارسة العمل الحقوقي محفوفة بالمخاطر ومتعددة الكلفة على المستويين الشخصي والمهني.
الفجوة بين النصوص القانونية والممارسة الفعلية لا تزال قائمة
ورغم ما عرفه المغرب من إصلاحات دستورية وتشريعية خلال العقد الأخير، وما يرتبط بها من التزامات دولية في مجال حقوق الإنسان، فإن الفجوة بين النصوص القانونية والممارسة الفعلية لا تزال قائمة.
ويبرز ذلك بشكل خاص في ما يتعلق بحماية المدافعات عن حقوق الإنسان وضمان تمكينهن، إذ تستمر القيود المرتبطة بالحيز المدني، وتُسجل حالات تضييق واستهداف للأصوات النسائية الناقدة، سواء عبر توظيف نصوص قانونية فضفاضة أو من خلال ممارسات إدارية وقضائية تحدّ من حرية المبادرة والتعبير.
تحليل السياق القانوني والسياسي والاجتماعي المؤطر لعملهن
يندرج هذا التقرير ضمن مقاربة تحليلية تروم رصد الوضع الفعلي للمدافعات عن حقوق الإنسان في المغرب، من خلال توثيق الانتهاكات والقيود التي يواجهنها، وتحليل السياق القانوني والسياسي والاجتماعي المؤطر لعملهن. ويستند إلى شهادات مباشرة ومعطيات ميدانية، إضافة إلى مساهمات فاعلين مدنيين وهيئات وطنية، بما يسمح بتقديم قراءة شمولية تتجاوز المعالجة الجزئية أو الظرفية.
كما يسعى التقرير إلى مساءلة مدى انسجام السياسات العمومية مع المعايير الإقليمية والدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان، وإبراز الحاجة إلى إرادة سياسية واضحة ومتماسكة تضمن الفعالية الحقيقية للحقوق المكرسة دستورياً وللالتزامات الدولية للمغرب. وفي هذا السياق، يشكل إدماج مقاربة حساسة للنوع الاجتماعي في مختلف السياسات والتشريعات شرطاً مركزياً لإرساء بيئة آمنة ومواتية لعمل المدافعات.
اشار التقرير ذاته، أن ضمان حماية المدافعات عن حقوق الإنسان وتمكينهن ليس شأنا فئويا، بل هو جزء لا يتجزأ من مسار بناء دولة الحق والقانون وتعزيز الديمقراطية التشاركية.
فوجود فضاء مدني مفتوح وآمن، تُصان فيه حرية الرأي والتعبير والعمل الجمعوي، يعد مؤشرا حاسما على متانة البناء الديمقراطي.
ومن ثم، فإن هذا التقرير يندرج في إطار دعوة جماعية موجهة إلى الدولة ومؤسساتها، وإلى مختلف الفاعلين العموميين والمدنيين، لتحمل مسؤولياتهم في صون حقوق المدافعات وضمان مشاركتهن الكاملة والآمنة في الشأن العام، باعتبارهن شريكا أساسيا في تحقيق مجتمع قائم على الكرامة والمساواة والعدالة للجميع.




