
دخلت مهنة التوثيق العدلي في المغرب منعطفاً دقيقاً ينذر بأزمة عميقة داخل أحد أهم مفاصل منظومة العدالة، بعدما أعلن المكتب التنفيذي للهيئة الوطنية للعدول عن خوض إضراب وطني شامل يمتد لأسبوع كامل، في خطوة تعكس حجم الاحتقان المتراكم داخل القطاع.. هذا الإضراب، المرتقب بين الثاني والعاشر من مارس 2026، لن يكون مجرد توقف عابر، بل سيعني عملياً شللاً شبه تام للخدمات التوثيقية التي يعتمد عليها المواطنون في المعاملات اليومية، من بيع وشراء وتوثيق عقود وتدبير ملفات الإرث، ما يضع آلاف الملفات في حالة انتظار مفتوح على المجهول.
مشروع قانون يشعل فتيل الأزمة
يتمحور جوهر الخلاف حول مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، والذي يعتبره العدول نقطة خلاف جوهرية تهدد توازن المهنة واستقلاليتها، فالمهنيون يؤكدون أن الصيغة الحالية للمشروع لم تستوعب ملاحظاتهم ولم تأخذ بعين الاعتبار مقترحاتهم التي تم تقديمها في مراحل سابقة من النقاش، ما خلق شعوراً واسعاً بالتهميش داخل الجسم العدلي، ويُنظر إلى هذا المشروع من قبل شريحة واسعة من العدول على أنه يعيد رسم حدود الاختصاصات بطريقة قد تُضعف دورهم التاريخي داخل منظومة العدالة، في وقت يعرف فيه المغرب تحولات عميقة في مجال التوثيق والعقار والاستثمار.
أثر اقتصادي واجتماعي يتجاوز المهنة
لا تقف انعكاسات هذا الإضراب عند حدود المهنيين، بل تمتد إلى النسيج الاقتصادي والاجتماعي ككل.. فالعقود العقارية، وعمليات البيع والشراء، وتوثيق المعاملات الأسرية، كلها تتوقف مؤقتاً، وهو ما ينعكس على سوق العقار وتمويل البنوك وسير الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة.
جكَ. وتشير تقديرات مهنيين إلى أن آلاف العقود تُنجز يومياً عبر العدول، ما يعني أن كل يوم إضراب يُجمّد كتلة مالية معتبرة ويؤجل التزامات قانونية لعدد كبير من الأسر والشركات، في بلد يراهن على تسريع وثيرة الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال، يبدو شلل التوثيق العدلي كأنه رسالة سلبية للأسواق حول هشاشة التوازن داخل مؤسسات العدالة.
دعوات للحوار ومسؤولية سياسية قائمة
في خضم هذا الوضع المتوتر، وجّه العدول نداءً مباشراً إلى رئيس الحكومة من أجل التدخل العاجل لإطلاق حوار جدي ومسؤول يعيد الثقة إلى المسار التشريعي، ويضمن معالجة المشروع بطريقة تشاركية تحافظ على كرامة المهنة وتطورها في آن واحد، ويؤكد المهنيون أن تطوير المهنة لا يمكن أن يتم بمنطق الإملاء، بل عبر إشراك الفاعلين الميدانيين الذين راكموا تجربة طويلة في خدمة العدالة التوثيقية.
اتهامات وتصريحات تزيد المشهد تعقيداً
عكست التصريحات الصادرة عن الكاتب العام للجمعية المغربية للعدول، عبد الرزاق بويطة، بدورها مستوى التوتر غير المسبوق، حيث اتهم وزير العدل عبد اللطيف وهبي بالوقوف وراء ما وصفه بـ”خدعة تشريعية” مست جوهر المهنة، هذه الاتهامات تضيف بعداً سياسياً للأزمة، وتكشف عن خلل في قنوات التواصل بين الوزارة والهيئات المهنية، ما يطرح تساؤلات حول منهجية إعداد القوانين المنظمة لقطاعات حساسة ترتبط مباشرة بحقوق المواطنين.
في المحصلة، تبدو مهنة التوثيق العدلي اليوم أمام مفترق طرق حاسم، بين مشروع إصلاحي يحتاج إلى توافق حقيقي، وبين تصعيد مهني قد يفتح الباب على أزمة ثقة أوسع داخل منظومة العدالة، في لحظة دقيقة تتطلب توازناً دقيقاً بين الإصلاح والحفاظ على الاستقرار المؤسساتي.





