
في مشهد صادم يتكرر تحت جنح الظلام، تحول ملعب حي السلام بمدينة أكادير من فضاء يفترض أن يحتضن أحلام الناشئة ومواهبهم الرياضية، إلى ملاذ اضطراري لأطفال وفتيات قاصرين يبيتون فوق سطح مستودع الملابس في ظروف تفتقر لأبسط شروط السلامة والكرامة الإنسانية.
هذا الواقع المقلق لم يعد حالة معزولة أو ظرفية، بل أصبح مؤشراً دالاً على تفاقم ظاهرة التشرد في صفوف القاصرين بالمدينة، حيث يجد هؤلاء أنفسهم مجبرين على الاحتماء بأسطح منشآت رياضية، في غياب بدائل إيوائية حقيقية أو تدخلات اجتماعية ناجعة.
فضاء رياضي خارج وظيفته الأصلية
ما يحدث بملعب حي السلام يطرح أكثر من علامة استفهام حول كيفية تدبير المرافق العمومية وحمايتها. فالمكان الذي خُصص لتأطير الشباب وتعزيز قيم الرياضة والتربية، بات اليوم شاهداً على اختلال اجتماعي عميق، تُختزل فيه معاناة الطفولة الهشة في صور قاسية لأجساد صغيرة تواجه الليل في العراء.
وجود هؤلاء الأطفال فوق أسطح غير مؤمنة لا يشكل فقط خرقاً لوظيفة الفضاء، بل يهدد سلامتهم بشكل مباشر، سواء من خلال خطر السقوط أو التعرض لمختلف أشكال العنف والاستغلال.
مخاطر متعددة وأوجه هشاشة مركبة
لا تقف خطورة هذا الوضع عند حدود التشرد، بل تمتد إلى ما هو أخطر، حيث يصبح هؤلاء القاصرون عرضة للاستغلال، والانحراف، وكافة أشكال الاعتداء، في ظل غياب التأطير والحماية.
كما أن المبيت في فضاءات غير مهيأة يفاقم من المخاطر الصحية والنفسية، ويعمق من هشاشة هذه الفئة التي يفترض أن تكون محط عناية خاصة من قبل مختلف المتدخلين في مجال حماية الطفولة.
بين مسؤولية التدخل وغياب الحلول
أمام هذه الوضعية التي وصفها متتبعون بـ”الفضيحة الإنسانية”، يبرز سؤال المسؤولية بشكل ملح. إذ لم يعد مقبولاً استمرار هذا المشهد في مدينة بحجم أكادير، دون تدخل فعلي من السلطات المحلية والمصالح الاجتماعية المختصة.
المطلوب اليوم ليس فقط إخلاء المكان أو منع الولوج إليه، بل اعتماد مقاربة شمولية تراعي البعد الإنساني والاجتماعي للظاهرة، من خلال توفير مراكز إيواء لائقة، وتفعيل آليات الإدماج الاجتماعي، وضمان المواكبة النفسية والتربوية لهؤلاء الأطفال.
ضرورة استعادة وظيفة الفضاء وكرامة الإنسان
إعادة الاعتبار لملعب حي السلام تمر حتماً عبر استرجاع وظيفته الأصلية كفضاء للتربية والرياضة، لكن ذلك لن يتحقق دون إنقاذ هؤلاء القاصرين من واقع التشرد.
فالقضية هنا لا تتعلق فقط بصورة حي أو جمالية مرفق، بل بكرامة أطفال وجدوا أنفسهم خارج كل دوائر الحماية. وبين ضرورة صيانة المرافق العمومية وواجب حماية الطفولة، يبقى التحدي قائماً في إيجاد توازن يعيد للمدينة إنسانيتها قبل أي شيء آخر.




