
حين تختزل برامج الأحزاب الثقافة في المهرجان وحده
في موسم انتخابي تتصدر فيه القدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم والسكن والماء واجهة البرامج الحزبية، تبدو الثقافة وكأنها تأتي دائما في الصفوف الخلفية.
لكن قراءة برامج انتخابات 23 شتنبر 2026 تكشف أن الثقافة لم تعد غائبة، بقدر ما أصبحت موضع اختلاف في النظرة إليها ووظيفتها داخل المشروع السياسي.
فبعض الأحزاب تتعامل معها باعتبارها رافعة للتنمية والإشعاع، وأخرى تربطها بالهوية والقيم، فيما تنظر إليها أحزاب أخرى باعتبارها مجالا للصناعات الإبداعية وخلق فرص الشغل، أما لدى جزء من اليسار، فتظهر الثقافة باعتبارها حقا ومرفقا عموميا وأداة للتحرر وبناء المواطن.
الأغلبية: الثقافة داخل أولويات أخرى
في برامج أحزاب الأغلبية، لا تغيب الثقافة تماما، لكنها غالبا لا تظهر باعتبارها سياسة عمومية مستقلة ومتكاملة.
التجمع الوطني للأحرار، مثلا، يربط الثقافة والفن بالتربية على القيم وبالاندماج في المنظومة التعليمية، كما يمنح الصناعات الثقافية والإبداعية بعدا اقتصاديا.
أما بعض البرامج الأخرى فتضع الثقافة ضمن الهوية أو التنمية الجهوية أو حماية التراث والإشعاع الوطني. والحركة الشعبية، مثلا، تقترح استراتيجية وطنية للصناعات الثقافية والإبداعية وتربطها بالسينما والسمعي البصري والرقمنة والتراث.
وهذا يكشف اتجاها واضحا: الثقافة موجودة، لكنها في الغالب مرتبطة بوظيفة أخرى؛ التعليم، الاقتصاد، الهوية، السياحة أو الإشعاع.
المعارضة: الثقافة تتحول إلى سياسة عمومية
يبدو المشهد مختلفا لدى عدد من أحزاب المعارضة.
التقدم والاشتراكية يطرح «ميثاقا وطنيا للثقافة»، ويضع أهدافا كمية للصناعات الثقافية والإبداعية، من بينها رفع مساهمتها في الناتج الداخلي وخلق مناصب شغل، إضافة إلى دعم التعليم الفني والثقافي و«شيك الثقافة».
والاتحاد الاشتراكي يربط الثقافة بالمشروع الديمقراطي والتنموي والعدالة الثقافية، مع مقترحات لتوسيع شبكة المسارح والسينما والمكتبات ودور الثقافة.
هنا تنتقل الثقافة من كونها زينة في البرنامج الانتخابي إلى محاولة تقديمها كسياسة لها ميزانية وبنيات وأهداف.
تحالف اليسار: الثقافة كحق لا كترف
لكن ما يستحق التوقف عنده في برنامج تحالف اليسار هو أنه يذهب خطوة أخرى في تعريف وظيفة الثقافة.
فالتحالف يقترح رفع ميزانية الثقافة تدريجياً إلى 1 في المائة من الميزانية العامة في أفق 2031، وإحداث مكتبة ومركز ثقافي عمومي مجاني في كل جماعة، وشبكة من قاعات السينما وفضاءات العروض، إلى جانب التغطية الصحية والتقاعد للفنانين ومحاربة الريع في الدعم الثقافي.
لكن أهمية هذه المقترحات ليست في أرقامها فقط.
الأهم هو الفلسفة التي تقف خلفها.
حين تقترح مكتبة ومركزاً ثقافياً في كل جماعة، فأنت لا تتحدث فقط عن بناء منشآت، بل عن جعل الثقافة خدمة عمومية قريبة من المواطن.
وحين تطرح حماية اجتماعية للفنان، فأنت تنظر إلى الإبداع باعتباره عملاً ومهنة، لا مجرد هواية أو امتيازاً لمن استطاع الوصول إلى الدعم.
وحين تربط الثقافة بمحاربة الريع وبالشفافية في الدعم، فأنت تجعل السياسة الثقافية جزءاً من سؤال الحكامة والديمقراطية.
وحين تتحدث عن «الثقافة التنويرية»، فإن الثقافة تصبح أكثر من إنتاج فني: تصبح وسيلة لمواجهة الانغلاق، وتنمية التفكير النقدي، وتوسيع مجال الحرية.
وهنا تحديداً تظهر خصوصية تصور تحالف اليسار.
المشكلة ليست في عدد المشاريع فقط
ومع ذلك، فإن قوة البرامج الثقافية لا تقاس فقط بعدد المكتبات أو القاعات أو حجم الميزانية المقترحة.
فالسؤال الأصعب هو: كيف نصنع جمهوراً للثقافة؟
ما جدوى بناء قاعة سينما إذا لم يجد المواطن القدرة أو الرغبة في ارتيادها؟ وما قيمة المكتبة إذا لم تتحول إلى فضاء حي للقراءة؟ وما معنى دعم الفنان إذا ظل أسير المناسبات والمهرجانات؟
لهذا تبدو التربية الفنية، والقراءة العمومية، والأسعار، والعدالة المجالية، والوساطة الثقافية، وحماية الفنان، وحكامة الدعم، عناصر لا تقل أهمية عن البنيات والتجهيزات.
وتشير قراءة مقارنة للبرامج إلى أن الأحزاب أصبحت أكثر استعداداً لتقديم أرقام حول ما ستبنيه وتنفقه، لكنها أقل وضوحاً في تحديد الأثر الثقافي الذي تريد تحقيقه وكيف ستقيسه.
الثقافة تكشف صورة المجتمع الذي نريده
في النهاية، لا تكمن أهمية الثقافة في حجم الفصل المخصص لها داخل البرنامج الانتخابي، وإنما في موقعها داخل تصور الحزب للمواطن والمجتمع.
هل الثقافة سلعة وصناعة فقط؟
هل هي أداة للإشعاع والهوية؟
هل هي وسيلة لتربية الشباب؟
أم أنها حق من حقوق المواطن، ومجال للحرية والإبداع، ومرفق عمومي ينبغي أن يكون متاحا للجميع؟
البرامج الانتخابية لسنة 2026 تقدم إجابات مختلفة عن هذه الأسئلة.
واللافت أن تحالف اليسار يمنح الثقافة مكانة أكثر ارتباطا بمشروع مجتمعي متكامل: الحق في الولوج، والعدالة المجالية، وحرية الإبداع، والحقوق الاجتماعية للفنان، والقراءة، والأمازيغية، والثقافة التنويرية، والشفافية في الدعم.
لكن كل هذه التصورات، بما فيها تصور اليسار، ستظل في النهاية وعودا انتخابية إلى أن تتحول إلى سياسات وميزانيات ومؤسسات وآليات تنفيذ ومساءلة.
وهنا ربما يكون السؤال الأهم الذي تطرحه الثقافة على الأحزاب المغربية جميعا:
هل نريد مغربا يستهلك الثقافة عند المناسبات، أم مجتمعا تصبح فيه الثقافة جزءا من الحياة اليومية وحقا من حقوق المواطنة؟





