الرئسيةسياسة

بنكيران: لا أمانة ولا كفاءة في حكومة أخنوش

لم يترك عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، مساحة  للمجاملة في مهرجانه الخطابي بالرباط، واضعا حكومة عزيز أخنوش في قفص الاتهام السياسي، ومحملا إياها مسؤولية ما اعتبره تفشي الفساد والظلم، وتراجع الثقة في الديمقراطية، وتنامي الاحتقان الاجتماعي.

وبلغة حادة، اختصر بنكيران حكمه على الحكومة في عبارة واحدة: «فلا أمانة ولا كفاءة في هذه الحكومة».

ولم يكتفِ زعيم «العدالة والتنمية» بتشخيص ما يعتبره فشلا حكوميا، بل عاد إلى ملفات المحروقات وتحلية مياه البحر، واستحضر احتجاجات «جيل زد»، وفتح من جديد ملف «البلوكاج»، قبل أن يجدد رفض حزبه للتطبيع مع إسرائيل.

الحكومة تأكل نفسها

بالنسبة إلى بنكيران، لم تعد الخلافات داخل الأغلبية مجرد اختلافات في وجهات النظر، بل أصبحت دليلاً على أزمة أعمق في طريقة ممارسة السلطة.

وتوقف عند ما وصفه بوصول مكونات الحكومة إلى مرحلة «شتم بعضها بعضاً»، معتبراً أن هذا المستوى من الصراع يكشف أزمة في «الأمانة والكفاءة».

وقال إن الحكومة الحالية باتت، بحسب تقديره، «تسقط نفسها بنفسها»، في إشارة إلى الخلافات التي ظهرت بين مكوناتها، والانتقادات المتبادلة والغيابات عن بعض الاجتماعات.

حين تغلق الديمقراطية أبوابها

لكن بنكيران لم يقرأ الاحتجاجات الأخيرة باعتبارها أحداثاً معزولة، بل ربطها بما وصفه بانسداد قنوات التعبير الديمقراطي.

وقال إن المواطن عندما يرى الفساد، ويشعر بأنه لا يستطيع الوصول إلى حقوقه بالطرق الديمقراطية، ثم يشاهد أشخاصاً يحتجون أو «ينكرون المنكر» وينتهون في السجن، فإنه قد يبحث عن وسائل أخرى للتعبير عن غضبه.

ومن هنا، استحضر احتجاجات «جيل زد»، معتبراً أن الوضع بلغ مستوى خطيراً انتهى، وفق ما ذكره، إلى سقوط أربعة قتلى، محذراً من أن البلاد كانت قريبة من الانزلاق إلى ما «لا تحمد عقباه».

ومع إقراره بأن الشباب المحتجين ارتكبوا أخطاء، شدد بنكيران على أنهم في النهاية «أبناؤنا»، في رسالة سياسية مفادها أن معالجة الاحتجاج لا يمكن أن تختزل في المقاربة الأمنية.

أخنوش في مرمى الاتهام

صعد بنكيران أكثر عندما انتقل إلى رئيس الحكومة شخصيا.

فقد جدد اتهامه لعزيز أخنوش بالاستفادة غير المشروعة من المال العام في قطاع المحروقات، وقال إنه سبق أن اتهمه بـ«أخذ مال الدولة بغير حق»، مستندا، بحسب روايته، إلى تقارير ومناقشات برلمانية وما نشرته الصحافة حول هذا الملف.

واستحضر مجددا رقم 17 مليار درهم، مقدما إياه كجزء من ملف يرى أنه لم يأخذ ما يكفي من المساءلة السياسية.

260 ملياراً تحت المجهر

ولم يسقط ملف تحلية مياه البحر من أجندة بنكيران.

فقد عاد إلى الحديث عن صفقة قال إن قيمتها تصل إلى 260 مليار درهم، مدعياً أن أعضاء من حزبه حصلوا على معطيات مرتبطة بها ولم يترددوا في كشفها.

وذهب إلى القول إن ما عرضه، إذا ثبت على النحو الذي قدمه، كان يستوجب «فضيحة» سياسية، واستقالة واعتذاراً.

كما انتقد طريقة تدبير الملف داخل البرلمان ولجنة الاستثمار، متحدثاً عن تناقض بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية.

«افتراس» المال العام

الهجوم لم يتوقف عند الحكومة وأخنوش، بل تحول إلى نقد لطريقة اشتغال جزء من النخبة السياسية.

واتهم بنكيران بعض المسؤولين الحاليين بالتعامل مع السلطة باعتبارها فرصة للاستفادة من أموال الدولة والمجتمع، وليس باعتبارها مسؤولية لحل مشاكل المواطنين.

واستخدم تعبير «الافتراس» لوصف هذا المنطق، معتبرا أن البرلمان والحكومة والمجالس الجماعية وحتى بعض المناصب الدبلوماسية تحولت، في نظر من انتقدهم، إلى منافذ للحصول على المنافع لهم ولأقاربهم ومن يدور في فلكهم.

«البلوكاج» يعود

وفي قلب المعركة الانتخابية، أعاد بنكيران فتح الجرح القديم: «البلوكاج».

وجدد روايته بأن تعطيل تشكيل الحكومة بعد انتخابات 2016 لم يكن مجرد خلاف سياسي، وإنما كان، حسب تقديره، عملية هدفت إلى إسقاط العدالة والتنمية من رئاسة الحكومة.

وقال إن خصوم الحزب دبروا ذلك المسار قبل أن يأتي عزيز أخنوش إلى رئاسة الحكومة.

واليوم، وبعد مرور الولاية الحكومية، يرى بنكيران أن التجربة نفسها قدمت، من وجهة نظره، الإجابة عن سؤال المستفيد من إبعاد حزبه.

الحزب الذي عاد من الموت

لم يخف بنكيران رضاه عن عودة العدالة والتنمية إلى المنافسة السياسية.

فالحزب الذي راهن خصومه، بحسب روايته، على اختفائه أو تحوله إلى قوة هامشية، عاد ليستثمر سياسياً في أخطاء الحكومة الحالية.

وبعبارة أكثر وضوحاً، يقول بنكيران إن الحكومة التي أرادت، في تقديره، إنهاء تجربة العدالة والتنمية، ساهمت بأدائها في إعادة الحزب إلى الواجهة.

أموال ضد «العدالة والتنمية»

وفي دفاعه عن حزبه، تحدث بنكيران عن استخدام أموال ضخمة ضد العدالة والتنمية، وقال إن أموالاً «لا تحصى» استُعملت لمحاصرة الحزب وإضعافه.

كما أشار إلى احتمال استخدام جزء منها في شراء عقارات بإسبانيا لصالح شخص لم يسمه بشكل مباشر.

وهو اتهام يفتح من جديد النقاش حول حجم المال السياسي وأدواره في صناعة التحولات الانتخابية والحزبية.

من 20 فبراير إلى «جيل زد»

وحاول بنكيران وضع موقف حزبه من الاحتجاجات الحالية ضمن امتداد سياسي يعود إلى حركة 20 فبراير، أي الى تبرؤ حزبه منها.

وقال إن العدالة والتنمية اختار الإصلاح من داخل المؤسسات، مع الحفاظ على الاستقرار واحترام الدولة، معتبرا أن الاحتجاج لا يمكن فصله عن الأسباب الاجتماعية والسياسية التي تقف خلفه.

وبذلك بدا خطابه وكأنه يقول إن السؤال ليس فقط: لماذا يحتج الشباب؟ بل أيضا: لماذا فقدوا الثقة في أن المؤسسات قادرة على الاستماع إليهم؟

التطبيع: «انتهى الكلام»

وفي الملف الأكثر حساسية بالنسبة إلى قواعد الحزب، لم يترك بنكيران مجالا للتأويل.

وجدد رفض العدالة والتنمية للتطبيع مع إسرائيل، رغم أن امينه العام السايق سعدالدين العثماني هو من وقع عليه، مؤكدا أن موقف الحزب «لم يتغير ولن يتغير».

وقال إن الدولة قد تكون مرتبطة بالتزامات معينة، لكن ذلك لا يغير موقف الحزب السياسي، مضيفا أن أي خطوة يعتبرها الحزب داخلة في التطبيع «لن نقوم بها».

وختم موقفه بعبارة حاسمة: «انتهى الكلام، والسلام».

بنكيران يضع الحكومة في قفص الانتخابات

بهذا الخطاب، لم يكتفِ بنكيران بمهاجمة حكومة أخنوش، بل حاول تحويل الانتخابات إلى محاكمة سياسية لولاية كاملة: المحروقات، المال العام، تحلية المياه، الاحتجاجات، التطبيع، والخلافات داخل الأغلبية.

وإذا كان بنكيران يريد من الناخب أن ينظر إلى هذه الملفات باعتبارها حصيلة خمس سنوات، فإن رهانه السياسي واضح: إقناع المغاربة بأن ما جرى خلال الولاية الحكومية ليس مجرد أخطاء في التدبير، وإنما نتيجة لاختيارات سياسية تستحق الحساب في صناديق الاقتراع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى