
حين يصبح المال طريقاً إلى النفوذ
تحرير: جيهان مشكور
قد لا تكون المعركة الانتخابية مجرد سباق على أصوات الناخبين، بل سباقا آخر يجري خلف الستار: من يملك المال لتمويل الحملة، ومن يملك القدرة على تحويل ذلك المال إلى نفوذ بعد إعلان النتائج؟
فمع دخول منعشين عقاريين وشركات مرتبطة بالبناء والعقار على خط تمويل حملات بعض المرشحين، لا يعود السؤال محصوراً في حجم الإنفاق أو احترام السقف القانوني، بل يمتد إلى ما هو أخطر: هل يُستخدم المال للفوز بالانتخابات، أم للاستثمار مسبقاً في القرار المحلي الذي سيأتي بعدها؟
حين يصبح العقار لاعباً في الخريطة الانتخابية
تشير المعطيات المتداولة بشأن الدار البيضاء-سطات إلى تحركات مالية ولوجستيكية لفائدة بعض المرشحين، بما يمنحهم إمكانات انتخابية قد تتجاوز ما يتوفر عليه منافسوهم، فيما تراقب السلطات الإقليمية هذه التحركات، وتكتسب القضية وزنها من طبيعة الجهة نفسها: نحو 7.69 ملايين نسمة، واقتصاد تتقاطع فيه السياسة مع الأرض والبناء والتعمير، وهو نشاط سجل نمواً بنسبة 6.6% سنة 2024، بينما نما نشاط العقار بنسبة 1.8%.
هنا تحديداً يصبح المال الانتخابي أكثر من مجرد وسيلة للدعاية، فالمنتخب المحلي يتعامل، بشكل مباشر أو غير مباشر، مع ملفات التعمير والرخص وتدبير المجال والبنيات التحتية والصفقات واختيارات الاستثمار، وفي سوق ترتفع فيه قيمة الأرض والمشاريع، ترتفع أيضاً قيمة النفوذ القادر على الاقتراب من القرار.
الخطر ليس في المال فقط.. بل في ما يشتريه
يرفع القانون سقف مصاريف الحملة الانتخابية لانتخابات مجلس النواب لسنة 2026 إلى 600 ألف درهم لكل مترشح، لكن احترام السقف، بحد ذاته، لا يحسم المسألة السياسية.. فالمشكلة تبدأ عندما يأتي التمويل من أصحاب مصالح اقتصادية يمكن أن تتقاطع مصالحهم، لاحقاً، مع قرارات المنتخب، هنا لا نتحدث عن مقايضة مثبتة، بل عن “تضارب مصالح محتمل” يستحق التدقيق.
فالانتخابات تمنح المرشح شرعية عبر الناخب، لكن المال يستطيع أن يمنح بعض المرشحين قدرة أكبر على الوصول إلى الناخب أصلاً، ومن الإشهار واللوجستيك والتنقل إلى الموارد البشرية والتواصل، يمكن للفارق المالي أن يتحول إلى فارق انتخابي قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع.
الثمن الحقيقي قد يُدفع بعد إعلان النتائج
أخطر ما في النفوذ السياسي أنه لا يحتاج دائماً إلى فاتورة مكتوبة، قد يكفي أن تنشأ علاقة اعتماد أو مجاملة أو تبادل مصالح لا تظهر في الحسابات الانتخابية.
لذلك، فإن مراقبة مصادر التمويل والنفقات والوثائق، التي تدخل ضمن اختصاص المجلس الأعلى للحسابات، تظل ضرورية، لكنها لا تنهي السؤال.. فالاختبار الأصعب يبدأ بعد الحملة: من موّل؟ من اقترب؟ ومن أصبح أكثر قدرة على التأثير في القرار؟
في الدار البيضاء، حيث تتقاطع السياسة مع اقتصاد الأرض، لا تكفي حماية سقف الإنفاق لضمان تكافؤ المنافسة، المطلوب أيضاً منع تحول رأس المال الخاص إلى “بوابة للنفوذ العام”.
فالانتخابات يفترض أن تمنح المواطن حق اختيار من يدير الشأن العام، لا أن تمنح أصحاب المصالح فرصة الاستثمار في من سيدير ذلك الشأن.
وبعد إغلاق الصناديق، قد لا يكون السؤال الأكثر إزعاجاً: من فاز؟ بل: من موّل الطريق إلى الفوز.. وماذا يريد من القرار بعده؟





