
انتخابات 2026..الاقتراع وحده لا يصنع الديمقراطية
أي انتخابات بلا حرية؟
بقلم: أحمد دابا
كلما اقترب موعد الانتخابات، تتكاثر الوعود، وتعلو أصوات المرشحين، وتُفتح دفاتر البرامج، ويبدأ سباق استمالة الناخبين، وكأن الديمقراطية تختزل في يوم واحد يقف فيه المواطن أمام صندوق الاقتراع، لكن هناك سؤالاً أكبر وأكثر إزعاجا ينبغي أن يسبق كل هذه التفاصيل: أي انتخابات نريد، وفي أي مناخ سياسي تجري؟
فلا يمكن أن نتحدث عن انتخابات تحمل أملا حقيقيا في التقدم، ولا عن مصداقية سياسية لصناديق الاقتراع، بينما تظل أبواب السجون مفتوحة على ملفات معتقلي الرأي والحراكات الاجتماعية، وتظل حرية الصحافة والتعبير والاحتجاج محكومة بسقف ضيق، وتظل العلاقة بين الدولة وأجزاء واسعة من المجتمع محكومة بالتوتر والشك وانعدام الثقة.
من هنا، فإن الانفراج السياسي والحقوقي ليس ملفاً ثانوياً يمكن أن ينتظر إلى ما بعد انتخابات 23 شتنبر، وليس مطلباً خاصاً بالمعارضة أو باليسار أو بالمنظمات الحقوقية. إنه، في جوهره، سؤال يتعلق بمعنى الانتخابات نفسها.
كانت السياسة تبدأ من الانفراج
القوى الديمقراطية واليسارية، عندما كانت تمتلك قوة سياسية وفكرية حقيقية، كانت تدرك أن الانتخابات لا يمكن أن تكون مجرد عملية تقنية، وأن فتح صناديق الاقتراع لا يكفي وحده لصناعة الديمقراطية.
كانت تعرف أن الانتخابات تحتاج إلى مناخ سياسي يسمح بالاختلاف، وإلى صحافة قادرة على النقد، وإلى أحزاب تستطيع أن تتحرك دون خوف، وإلى مجتمع مدني قادر على الاحتجاج، وإلى مواطن يشعر بأن صوته ليس مجرد رقم يضاف إلى محضر النتائج.
ولهذا كان الانفراج السياسي في مراحل سابقة مقدمة لأي استحقاق انتخابي يراد له أن يحمل معنى سياسياً. كان إطلاق المعتقلين، وتوسيع الحريات، وفتح المجال أمام المعارضة، وإعادة الاعتبار للصحافة، كلها مؤشرات على وجود إرادة سياسية في الانتقال من انتخابات تُدار إلى انتخابات يمكن أن تُنتج تحولاً.
كان ذلك هو الفرق بين الانتخابات باعتبارها إجراءً دستورياً، والانتخابات باعتبارها فعلاً سياسياً يحمل معه احتمال التغيير.
ماذا تقول الانتخابات لشباب جيل زد؟
اليوم، ونحن أمام انتخابات 23 شتنبر، لا يمكن القفز فوق سؤال جيل زد.
ماذا تقول السياسة المغربية لشباب خرجوا إلى الشارع مطالبين بما يرونه حقوقا اجتماعية وسياسية؟ هل تقول لهم إن الاحتجاج جزء طبيعي من الديمقراطية، أم تقول لهم إن التعبير عن الغضب يمكن أن يقود إلى السجن؟
وماذا نقول لمعتقلي حراك الريف بعد كل هذه السنوات؟ وماذا نقول للمدونين والمدونات والفنانين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة المتابعات والعقوبات بسبب تعبير أو موقف؟
هل تستطيع الأحزاب التي تطلب من الشباب أن يصوتوا لها أن تواجه هؤلاء الشباب أولا بسؤال الحرية؟
هل تستطيع أن تقول لهم إن السياسة التي تدعوهم إلى المشاركة فيها هي نفسها السياسة التي تدافع عن حقهم في الاختلاف؟
هنا تحديدا تصبح قضية المعتقلين أكبر من ملف حقوقي. إنها تصبح اختبارا حقيقيا لجدية الخطاب الانتخابي.
الصمت الانتخابي عن المعتقلين ليس تفصيلا
المقلق في المشهد الانتخابي الحالي أن سؤال الحريات يكاد يختفي من الخطاب العام.
تتنافس الأحزاب حول الأسعار والوظائف والصحة والتعليم، وهذا طبيعي وضروري، لكنها نادرا ما تضع الحرية في قلب المعركة السياسية، وكأن المواطن يمكن أن يكون سعيدا أو غاضبا أو فقيرا أو غنيا، لكن ليس من حقه أن يكون مختلفا.
والأكثر إثارة للقلق هو أن قضايا معتقلي الرأي والحراكات الاجتماعية لا تبدو في قلب المنافسة الانتخابية، رغم أنها تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع.
وباستثناء تحالف اليسار وحزب التقدم والاشتراكية، لا يبدو أن هناك قوة انتخابية كبيرة جعلت من الانفراج السياسي وإطلاق المعتقلين عنوانا مركزيا في معركتها الانتخابية.
وهذا الصمت ينبغي ألا يمر بلا مساءلة
لأن الأحزاب لا تُختبر فقط عندما تعد المواطن بمستشفى أو مدرسة أو وظيفة، وإنما تُختبر أيضا عندما يكون عليها أن تدافع عن حرية مواطن يختلف معها.
أين ذهبت الأحزاب الديمقراطية؟
السؤال هنا موجه بالأساس إلى القوى التي تقول إنها تحمل مشروعا ديمقراطيا.
ماذا يعني أن تدخل الانتخابات ولا تجعل الحرية جزءا مركزيا من خطابها؟
ماذا يعني أن تطلب من المواطن أن يمنحها صوته، بينما لا تقدم له جوابا واضحا حول المعتقلين والحريات والصحافة والاحتجاج؟
لقد كانت القوى اليسارية والديمقراطية في مراحل قوتها تعرف أن السياسة ليست مجرد تدبير للمقاعد والمواقع، بل صراع من أجل توسيع مجال الحرية.
وكانت تعرف أن الدفاع عن المعتقلين السياسيين ليس نشاطا هامشيا، وأن حرية الصحافة ليست امتيازا للصحافيين، وأن الحق في الاحتجاج ليس ترفا يمكن سحبه متى اشتد الغضب الاجتماعي.
أما اليوم، فإن جزءا كبيرا من المشهد السياسي يبدو وقد استسلم لمنطق آخر: منطق الانتخابات باعتبارها سوقا للمواقع، ومسرحا لتصفية الحسابات، وفرصة لإطلاق الخصومات الشخصية، وصناعة الفرجة.
وحين تتحول الانتخابات إلى فرجة، تتراجع السياسة.
وحين تتراجع السياسة، يصبح الحديث عن الديمقراطية مجرد ديكور انتخابي.
ليست المشكلة في الصندوق وحده
ليس المطلوب التقليل من أهمية الانتخابات، بل العكس تماما. المطلوب إنقاذ معناها السياسي.
فالانتخابات لا تبدأ يوم الاقتراع، ولا تنتهي بإعلان النتائج. إنها تبدأ بالمناخ الذي يسبقها، وبحرية النقاش، وبقدرة المواطنين على التعبير، وبإمكانية الصحافة على كشف الاختلالات، وبقدرة المعارضة على النقد، وبشعور المجتمع أن هناك بالفعل مساحة يمكن أن يتحرك فيها.
ولهذا فإن الحديث عن نزاهة الانتخابات لا ينبغي أن يتوقف عند مراقبة الصناديق والمحاضر واللوائح.
نزاهة الانتخابات تبدأ أيضا من نزاهة المجال السياسي الذي تجري فيه.
والمصداقية لا تصنعها فقط سلامة عملية التصويت، وإنما تصنعها الثقة في أن السياسة مفتوحة أمام الجميع، وأن الاختلاف ليس جريمة، وأن الدولة لا تخشى النقد، وأن المواطن يستطيع أن يعبر دون أن يشعر بأن صوته قد يصبح دليلا ضده.
الانفراج السياسي ليس تنازلا
بصدق أقول، هناك من يتعامل مع الانفراج السياسي وكأنه ضعف، أو تنازل تقدمه الدولة تحت الضغط، وهذا فهم ضيق لقوة الدولة.
الدولة الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى الخوف من شبابها، ولا إلى اعتبار الصحافة خصما، ولا إلى التعامل مع الاحتجاج الاجتماعي باعتباره تهديداد ائما.
الدولة القوية هي التي تستطيع أن تقول: نعم، أخطأنا هنا، ونفتح صفحة جديدة هناك، ونفرج عن المعتقلين، ونوسع الحريات، ونترك للسياسة مهمة إدارة الاختلاف.
إن الانفراج السياسي لا يضعف الدولة، بل يمنحها فرصة لاستعادة الثقة.
وإطلاق سراح معتقلي الرأي والحراكات الاجتماعية ليس انتصاراً لطرف على طرف، وإنما انتصار لفكرة أن السجن لا ينبغي أن يكون أداة لإدارة الاختلاف السياسي والاجتماعي.
قبل أن نسأل من سيفوز، علينا أن نسأل ماذا سيتغير
لهذا ينبغي أن نقلب السؤال الانتخابي، ليس السؤال الحقيقي فقط: من سيفوز في 23 شتنبر؟، السؤال الأهم هو: ماذا سيتغير بعد 23 شتنبر؟، هل ستفتح البلاد صفحة جديدة مع الحريات؟ هل ستجد الصحافة مجالا أوسع للعمل؟ والأهم هل ستغلق ملفات المعتقلين؟
هل سيجد شباب جيل زد جوابا سياسيا على مطالبهم بدل الجواب الأمني أو القضائي؟ و هل سيجد معتقلو حراك الريف وعائلاتهم طريقا إلى إنهاء هذا الملف؟ و هل ستستعيد السياسة قدرتها على استيعاب الغضب الاجتماعي بدل دفعه نحو اليأس والعزوف؟…هذه هي الأسئلة التي كان ينبغي أن تكون في قلب الانتخابات، لكنها، للأسف، تكاد تضيع وسط ضجيج الخصومات والحسابات الانتخابية.
لا ديمقراطية حقيقية من دون حرية
إن الانتصار للانفراج السياسي ليس انحيازا ضد الدولة، ولا ضد الانتخابات، ولا لصالح حزب بعينه، إنه انحياز إلى فكرة بسيطة: لا يمكن بناء ديمقراطية حقيقية من دون حرية، ولا يمكن أن نطلب من المواطنين الثقة في السياسة ونحن نترك أسباب فقدان الثقة قائمة، ولا يمكن أن نطلب من الشباب المشاركة ونحن لا نقدم لهم دليلا على أن مشاركتهم ستُحترم.
ولا يمكن أن نطلب من الصحافة القيام بدورها الرقابي بينما لا نفتح لها المجال الضروري للقيام بذلك، مثلما ولا يمكن أن نريد انتخابات قوية من دون سياسة قوية.
والسياسة لا تصبح قوية بالصراخ، ولا بتبادل الاتهامات، ولا بالخصومات الشخصية، ولا بالفرجة الانتخابية، السياسة تصبح قوية عندما يصبح الاختلاف آمنا، والنقد مشروعا، والصحافة حرة، والاحتجاج حقا، والسجن بعيدا عن التعبير السياسي.
ولهذا فإن تبييض السجون من معتقلي الرأي والحراكات الاجتماعية، وإطلاق سراح معتقلي جيل زد ومعتقلي حراك الريف والمدونين والمدونات والفنانين، وفتح أفق جديد للحريات العامة والصحافة، ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره مطلبا مؤجلاً، إنه، ببساطة، جزء من الطريق إلى انتخابات لها معنى.
الانتخابات التي لا تفتح بابا للأمل ستظل مجرد موعد في التقويم
أما الانتخابات التي تسبقها إرادة انفراج سياسي حقيقية، فإنها تستطيع أن تكون بداية لمرحلة جديدة.
وفي السياسة، لا يكفي أن تفتح الدولة صناديق الاقتراع؛ عليها أيضا أن تفتح أبواب الأمل. والأمل، قبل كل شيء، اسمه فقط الحرية.





