الرئسيةرأي/ كرونيك

حملة الطهرانية لن تنسي المغربي واقعه

يا لها من معجزة انتخابية! ما إن تُفتح أبواب الحملة الانتخابية حتى تتساقط الخطايا السياسية من على أكتاف الأحزاب، ويكتشف الجميع فجأة أنهم كانوا دائما مع المواطن، ومع الحقوق، ومع القدرة الشرائية، ومع العدالة الاجتماعية… وحده الواقع يبدو مذنبا!

بقلم: بثينة المكودي

الأحزاب تتحدث اليوم عن الأزمات وكأنها نزلت من السماء، وتتبادل الاتهامات وكأن الحكومات السابقة كانت تُدار من كوكب آخر. من كان بالأمس داخل الحكومة صار اليوم يتحدث بلسان الناقد، ومن شارك في صناعة القرار يتصرف وكأنه كان مجرد متفرج، ومن دافع عن سياسات معينة بالأمس يبحث اليوم عن مخرج سياسي منها.

لكن المشكلة أن المغربي لم يفقد ذاكرته.

فالأسعار التي أثقلت جيبه لم تختفِ لأن الانتخابات بدأت، والبطالة لا تتراجع بمجرد رفع الشعارات، والمستشفى العمومي لا يصبح أفضل بسبب صورة انتخابية، والحقوق والحريات لا تُستعاد بعبارة رنانة في مهرجان خطابي.

لهذا تبدو الحملة الانتخابية الحالية، في جانب منها، وكأنها مسابقة في غسل اليدين السياسي: كل طرف يشير بإصبعه إلى الآخر، والجميع يريد أن يظهر في ثوب المنقذ، فيما يبحث المواطن عن إجابة لسؤال واحد شديد البساطة:

إذا كان الجميع اليوم بريئاً من تراجع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية… فمن المسؤول إذن؟

الأحزاب تتبادل الاتهامات، وكل طرف يحاول تقديم نفسه باعتباره ضحية لما فعلته الأطراف الأخرى. أحزاب شاركت في الحكومة تتحدث وكأنها كانت خارج القرار، وأخرى تولت تدبير قطاعات ومؤسسات عمومية تتحدث اليوم بلسان المعارضة، وكأن الذاكرة السياسية للمغاربة قصيرة إلى هذا الحد.

عندما تصبح المسؤولية «يتيمة»

المشكلة ليست في أن ينتقد حزبٌ حزباً آخر، فهذا جزء طبيعي من التنافس الديمقراطي، وإنما في أن يتحول النقد إلى محاولة لمحو الماضي.

فالحكومات لم تكن تُدار بأشباح، والقرارات الاقتصادية والاجتماعية لم تكن تتخذ في فراغ. كانت هناك أغلبية برلمانية، ووزراء، وأحزاب، وبرامج حكومية، وتصويت على قوانين وميزانيات، ومواقف معلنة أمام الرأي العام.

لذلك، عندما يتحدث السياسي اليوم عن ارتفاع الأسعار، أو أزمة الخدمات العمومية، أو البطالة، أو ضعف القدرة الشرائية، أو الاختلالات الاجتماعية، فمن حق المواطن أن يسأله: أين كنت عندما كنت في موقع القرار؟ وماذا فعلت عندما كان بإمكانك أن تغيّر؟

الاقتصاد لا يقرأ بيانات الحملات

المغربي لا يعيش داخل مهرجان انتخابي.

هو يواجه فاتورة المعيشة، وأسعار المواد الأساسية، وتكاليف السكن، والتعليم، والصحة، والنقل، ويبحث عن عمل أو عن دخل يحفظ له الحد الأدنى من الاستقرار.

لهذا، فإن كل خطاب انتخابي يعده بالرخاء دون أن يقدم حساباً واضحاً لما تحقق خلال سنوات التدبير، يبقى مجرد كلام للاستهلاك السياسي.

المواطن لا يحتاج إلى من يخبره بأن الوضع صعب؛ فهو يعيش الصعوبة يومياً. ولا يحتاج إلى أحزاب تشرح له من المسؤول عن الأزمة من خلال تبادل الاتهامات، بل يريد أن يعرف من اتخذ القرار، ومن استفاد منه، ومن أخطأ، ومن يتحمل المسؤولية السياسية عنه.

والحقوق أيضاً ليست ورقة انتخابية

الأمر لا يتعلق بالاقتصاد وحده. فالمجال الحقوقي بدوره لا ينبغي أن يتحول إلى شعار موسمي يظهر في الملصقات الانتخابية ويختفي بعد إغلاق صناديق الاقتراع.

إذا كان هناك تراجع أو اختلال أو تضييق في بعض المجالات الحقوقية، فإن المسؤولية السياسية لا يمكن أن تُرمى دائماً على «الآخر». الديمقراطية لا تقوم فقط على الفوز في الانتخابات، وإنما أيضاً على احترام الحريات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان حق المواطن في التعبير والاحتجاج والمساءلة.

ومن غير المنطقي أن تتحول بعض الأحزاب إلى مدافعة شرسة عن الحقوق عندما تكون في المعارضة، ثم تتعامل معها بمنطق مختلف عندما تصل إلى مواقع القرار.

المغربي لا ينسى

قد تنجح الحملة الانتخابية في تغيير الصورة على الجدران، وقد تختفي وجوه وتظهر أخرى، وقد تتغير الشعارات والألوان، لكن ذاكرة المواطن أقوى من الملصق الانتخابي.

المغربي يتذكر الوعود السابقة، ويتذكر من كان في الحكومة، ومن كان في المعارضة، ومن صوّت على القوانين، ومن دافع عن قرارات معينة، ومن انتقدها بعد فوات الأوان.

لذلك فإن محاولة تقديم كل حزب لنفسه باعتباره «المنقذ الوحيد» لن تكون كافية. فالناخب يريد حصيلة، لا خطبة. يريد أرقاماً، لا شعارات. يريد اعترافاً بالأخطاء، لا توزيعاً للمسؤوليات على الآخرين.

من المسؤول إذن؟

السؤال الذي يجب أن يرافق هذه الحملة ليس فقط: «من سيحكم؟»، وإنما أيضاً: «من يتحمل مسؤولية ما حدث؟»

فإذا كانت الأحزاب كلها تتحدث اليوم عن إصلاح الاقتصاد، فمن المسؤول عن الاختلالات الاقتصادية التي تراكمت؟

وإذا كانت كلها تتحدث عن العدالة الاجتماعية، فمن يسأل عن اتساع الفوارق الاجتماعية؟

وإذا كانت كلها ترفع شعار الدفاع عن المواطن، فمن يفسر للمواطن لماذا ما زالت بعض الخدمات الأساسية لا ترقى إلى مستوى انتظاراته؟

وإذا كان الجميع يتحدث عن الحقوق والحريات، فمن يتحمل المسؤولية عن كل تراجع أو اختلال في هذا المجال؟

لا يمكن أن تكون الإجابة دائماً: «الحزب الآخر».

الانتخابات ليست موسم غسل الذاكرة

الحملة الانتخابية يفترض أن تكون مناسبة لتقديم حصيلة واضحة ومقارنة البرامج ومساءلة المسؤولين، لا مناسبة لإعادة تدوير الوعود وتبييض الماضي السياسي.

فالطهرانية الانتخابية قد تنجح في صناعة صورة جميلة لبعض الوقت، لكنها لن تغير واقع المواطن.

من يريد أصوات المغاربة عليه أولاً أن يحترم ذاكرتهم.

والناخب ليس مطالباً بتصديق من يقول له اليوم «أنا بريء»، بل من حقه أن يسأل كل طرف: ماذا فعلت عندما كنت في موقع المسؤولية؟ ماذا حققت؟ أين أخطأت؟ ومن حاسبت؟ وماذا ستفعل بشكل مختلف هذه المرة؟

أما أن يصبح الجميع ملائكة بمجرد رفع الستار عن الحملة الانتخابية، فيما المواطن وحده يتحمل كلفة الواقع الاقتصادي والاجتماعي والحقوقي، فذلك ليس تنافساً على خدمة المواطن، بقدر ما هو تنافس على من ينجح في الهروب من المسؤولية.

وفي النهاية، ستنتهي الحملة، وستسقط الملصقات من الجدران، وستعود الأحزاب إلى مواقعها، لكن المواطن سيعود إلى واقعه نفسه.

والواقع، بخلاف الخطابات الانتخابية، لا يعرف المجاملات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى