الرئسيةمجتمع

المستشفيات تنتظر.. والأحزاب تعد

الصحة في موسم الوعود

كلما اقتربت الانتخابات، تتذكر الأحزاب المستشفى، وكلما انتهت، يعود المستشفى إلى الانتظار، فجأة تصبح الصحة «أولوية وطنية»، وتمتلئ البرامج بوعود المستشفيات الحديثة وتجويد العلاج وتقليص الفوارق المجالية.. لكن السؤال الذي يفسد هذا المشهد الانتخابي كله بسيط وقاسٍ: إذا كانت الصحة أولوية فعلاً، فلماذا لا يشعر المواطن بنتائج هذه الأولوية عندما يقف أمام باب المستشفى؟

أرقام تتقدم.. والمواطن لا ينتظر الأرقام

المفارقة أن الأزمة لا يمكن اختزالها في غياب الإنفاق أو البنيات، فبحسب المندوبية السامية للتخطيط، يتوفر المغرب على نحو 3,065 مؤسسة للصحة الأساسية و177 مستشفى وحوالي 28 ألف سرير، فيما بلغ عدد الأطباء نحو 31,900 طبيب سنة 2024، كما ارتفعت كثافة الأطباء من 6.7 إلى 8.7 لكل عشرة آلاف نسمة بين 2017 و2024، وارتفعت كثافة الممرضين وتقنيي الصحة من 8.5 إلى 10.9.

لكن المواطن لا يقيس إصلاح الصحة بعدد المؤسسات ولا بكثافة الأطباء، بل بما يجده حين يحتاج إلى العلاج، وهنا تظهر الفجوة التي لا تخفيها الجداول: فاعل مهني في القطاع، طلب عدم كشف هويته، يتحدث عن استمرار اختلالات مرتبطة بالأدوية والمستلزمات الطبية والبنيات والوسائل اللوجيستية. وما يبدو في التقارير «اختلالاً» يتحول بالنسبة إلى المريض إلى انتظار، وكلفة إضافية تثقل جيبه المنهك اصلا، وأحياناً رحلة بحث عن خدمة يفترض أن يجدها داخل المستشفى .

الممرض يدفع أيضاً فاتورة الإصلاح

وفي قلب هذه المعادلة يوجد العامل الصحي، فالممرض وتقني الصحة ليسا مجرد رقم في ميزانية التوظيف، بل خط الدفاع الأول داخل منظومة يزداد الضغط عليها، والدولة نفسها تستهدف مضاعفة خريجي كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان، وثلاثة أضعاف خريجي معاهد التمريض وتقنيات الصحة بحلول 2030.

لكن زيادة الخريجين لا تكفي وحدها، فالسؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه البرامج الانتخابية هو: أين سيعمل هؤلاء؟ وبأي شروط؟ وكيف سيُوزعون؟ ومن سيضمن الاحتفاظ بهم داخل القطاع؟ لأن تكوين أطر جديدة دون معالجة ظروف اشتغالها وتوزيعها قد يضيف أرقاماً إلى المنظومة من دون أن يضيف بالضرورة جودة إلى الخدمة.

42 ملياراً.. والسؤال الذي لا تريد البرامج طرحه

هنا تضيق مساحة الاحتماء بحجة نقص الإمكانيات، فمشروع قانون المالية لسنة 2026 يخصص لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية نحو 42.36 مليار درهم، مقابل 32.58 ملياراً سنة 2025، بزيادة تقارب 30%، مع برمجة تأهيل 90 مستشفى وإضافة آلاف الأسرة وتجهيز مؤسسات صحية جديدة.

لكن :الميزانية ليست نتيجة، والمستشفى الذي يُبنى لا يصبح إصلاحاً بمجرد قص الشريط”، والاختبار الحقيقي يبدأ بعد ذلك: هل سيجد المواطن الدواء؟ هل سيحصل على موعد في وقت معقول؟ وهل سيعمل الطبيب والممرض في ظروف تسمح لهما بتقديم خدمة تليق بحق دستوري؟

والأكثر قتامة أن هذه الأسئلة ليست جديدة، فبعد كل حملة انتخابية، تتغير الشعارات بينما تبقى لائحة الانتظارات مفتوحة: مستشفى يُنتظر، دواء يُبحث عنه، موارد بشرية تحت الضغط، وفوارق مجالية لم تُغلق.. ثم تعود الأحزاب في الانتخابات التالية لتقدم الوصفة نفسها بلغة جديدة، وكأن الناخب يُطلب منه أن ينسى ما قيل له بمجرد إعلان النتائج.

المشكلة لم تعد في قلة الوعود

في المقابل ،يضمن الدستور الحق في العلاج والعناية الصحية والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، لذلك، لا يحتاج المواطن إلى حزب يقول إن الصحة «أولوية»، بل إلى برنامج يضع “رقماً وموعداً ومسؤولاً” عن كل وعد ليحساب عليه.

لأن المشكلة لم تعد في قلة الوعود، بل في أن “الوعد الانتخابي نفسه أصبح قابلاً للاستهلاك ثم النسيان، وأخطر ما يمكن أن يحدث لقطاع الصحة ليس أن يبقى مريضاً، بل أن تتحول أزمته إلى ورقة انتخابية تُستخرج كل خمس سنوات، بينما يظل المريض وحده يدفع ثمنها من وقته وماله وكرامته.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى