الرئسيةمجتمع

الدخول المدرسي.. ضغط جديد على الأسر

ما إن يقترب الدخول المدرسي حتى تجد الأسر المغربية نفسها أمام واقع مختلف تماماً عن أجواء الصيف. فبعد أسابيع من المصاريف المرتبطة بالعطلة والسفر والخرجات، يأتي شتنبر محملا بالتزامات جديدة، في وقت لم تعد فيه ميزانية الأسرة تحتمل الكثير من المفاجآت.

الدخول 6
أرشيف

الدخول المدرسي بالنسبة إلى عدد كبير من الأسر لم يعد مناسبة عادية تتكرر كل سنة، بل أصبح محطة ثقيلة تستوجب الكثير من الحسابات. فالمصاريف لا تتوقف عند مستلزمات الدراسة، وإنما تمتد إلى النقل والتغذية والأنشطة والدروس الإضافية، إلى جانب مصاريف البيت التي لا تتوقف أصلاً.

وفي المقابل، يجد المواطن نفسه أمام واقع اقتصادي يزداد صعوبة، مع ارتفاع أسعار عدد من المواد والخدمات، فيما تظل مداخيل شريحة واسعة من الأسر محدودة وغير قادرة على مواكبة الارتفاع المتواصل في تكاليف الحياة.

شتنبر.. شهر الحسابات الصعبة

بالنسبة إلى الأسرة المغربية، شتنبر ليس مجرد شهر للعودة إلى المدرسة، وإنما شهر لإعادة ترتيب الميزانية بالكامل.

الأب والأم مطالبان بتدبير مصاريف الدراسة، وفي الوقت نفسه الاستمرار في أداء كلفة السكن والكهرباء والماء والاتصالات والتنقل والمواد الغذائية وغيرها من المصاريف اليومية. وإذا كانت الأسرة تضم أكثر من طفل، فإن الضغط يصبح أكبر، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر ذات الدخل المحدود.

والمشكلة أن هذه المصاريف تأتي دفعة واحدة تقريباً، في وقت تكون فيه ميزانية عدد من الأسر قد استنزفت خلال أشهر الصيف.

وهنا يظهر الفرق بين من يستطيع التعامل مع هذه المرحلة دون صعوبة كبيرة، ومن يضطر إلى الاقتراض أو تأجيل بعض الحاجيات أو الاستغناء عن أخرى حتى يمر الشهر بسلام.

زيادات متتالية.. والمواطن يدفع الفاتورة

ما يزيد من ثقل الوضع هو أن الأسرة لا تواجه الدخول المدرسي في فراغ اقتصادي. فالمواطن المغربي يعيش منذ سنوات تحت ضغط ارتفاع تكاليف المعيشة، وأصبح مطالباً بالتكيف باستمرار مع أسعار تتغير بينما الدخل لا يتحرك بالوتيرة نفسها.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن الإصلاحات والبرامج الاجتماعية، يتساءل المواطن البسيط عن أثر هذه السياسات على حياته اليومية: هل أصبح الغذاء أقل كلفة؟ هل تراجعت أعباء السكن والتنقل؟ وهل أصبح بإمكان الأسرة أن تستقبل الدخول المدرسي دون أن تضطر إلى إعادة حساب كل درهم؟

هذه الأسئلة لا تحتاج إلى خطابات كبيرة، بقدر ما تحتاج إلى إجابات يشعر بها المواطن داخل بيته وفي السوق.

حكومة مطالبة بأن تسمع صوت الأسر

المثير في هذا الوضع أن شكاوى المواطنين أصبحت جزءاً من المشهد اليومي، ومع ذلك يشعر كثيرون بأن صوتهم لا يجد الصدى الكافي لدى المسؤولين.

فالحكومة مطالبة اليوم بأكثر من تقديم الأرقام والمؤشرات؛ مطالبة بأن تنصت إلى تفاصيل الحياة اليومية للمغاربة، إلى الأسرة التي تبحث عن كيفية إنهاء الشهر، وإلى الموظف والعامل وصاحب الدخل المحدود الذي يجد نفسه أمام مصاريف تتزايد من جهة ودخل لا يسمح بالكثير من الخيارات من جهة أخرى.

وإذا كان من حق الحكومة أن تتحدث عن الإصلاح والاستثمار والنمو، فمن حق المواطن أيضاً أن يسأل عن موقع قدرته الشرائية في كل هذه الحسابات.

لا ينبغي أن يتحول التعليم إلى عبء إضافي

التعليم حق أساسي، ولذلك فإن حماية الأسر من الأعباء المرتبطة به ليست مسألة ثانوية.

فالأسرة لا تريد فقط أن يذهب أبناؤها إلى المدرسة؛ تريد أن توفر لهم ظروفاً مناسبة للتعلم دون أن تتحول السنة الدراسية إلى مصدر دائم للضغط المالي والنفسي.

ومن هنا، فإن أي سياسة عمومية جادة تجاه التعليم يجب أن تنظر أيضاً إلى الأسرة باعتبارها جزءاً أساسياً من المنظومة، وأن تعمل على تخفيف الأعباء عنها، لا أن تتركها تواجه ارتفاع التكاليف بمفردها.

بين صيف انتهى وموسم طويل بدأ

وهكذا، يأتي الدخول المدرسي هذا العام في ظرف لا يشبه السنوات الماضية بالنسبة إلى كثير من الأسر. صيف انتهى بمصاريفه، وأسعار مرتفعة، والتزامات يومية لا تنتظر، ثم موسم دراسي طويل يحتاج إلى ميزانية وصبر وتدبير.

وفي وسط كل ذلك، يبقى المواطن هو الطرف الذي يحاول في كل مرة أن يجد الحلول بنفسه: يقلص بعض النفقات، يؤجل أخرى، يبحث عن البدائل، ويعيد ترتيب أولوياته.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه يبقى أكبر من قدرة الأسرة على التدبير إلى متى سيظل المواطن مطالباً وحده بالتأقلم مع الزيادات وارتفاع كلفة المعيشة، بينما ينتظر من الحكومة أن تنصت فعلياً إلى أعبائه بدل الاكتفاء بالصمت أو تكرار الخطابات؟

فالدخول المدرسي ليس مجرد عودة إلى الأقسام، وإنما مرآة حقيقية لقدرة الأسر على مواجهة تكاليف الحياة، ومقياس لمدى نجاح السياسات العمومية في جعل المواطن يعيش بكرامة، لا أن يقضي كل شهر في البحث عن كيفية الوصول إلى نهايته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى