
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية وانطلاق حملتها، يعود ملف القدرة الشرائية إلى صدارة النقاش السياسي والاجتماعي في المغرب، في وقت يجد فيه المواطن نفسه أمام سؤال بسيط لكنه ثقيل بعد كل هذه المليارات التي أنفقتها الدولة، هل تحسن فعلاً مستوى معيشة المغاربة؟
السؤال يكتسي أهمية خاصة اليوم، بعدما تحولت القدرة الشرائية إلى واحدة من أبرز الأوراق التي تستعد الأحزاب السياسية للعبها خلال الحملة الانتخابية، في محاولة لاستمالة الناخبين بوعود جديدة تتعلق بخفض الأسعار، ورفع الأجور، ودعم الطبقة الوسطى، وتحسين الخدمات الاجتماعية.
لكن المواطن المغربي، بعد سنوات من الوعود والبرامج، لم يعد ينظر فقط إلى حجم الأموال التي تعلن الحكومة عن تخصيصها، بل إلى ما يشعر به فعلياً عند دخوله إلى السوق أو أداء فواتير الماء والكهرباء أو مصاريف النقل والتعليم والصحة والسكن.
عشرات المليارات لدعم القدرة الشرائية
الحكومة تؤكد أنها خصصت إمكانيات مالية مهمة لحماية القدرة الشرائية.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن الكلفة الإجمالية للإجراءات المتخذة في إطار الحوار الاجتماعي ستصل إلى حوالي 49.7 مليار درهم مع نهاية 2026 وبداية 2027.
كما تؤكد الحكومة أن الدولة تحملت خلال الولاية الحكومية أعباء مالية كبيرة عبر صندوق المقاصة للحفاظ على استقرار أسعار عدد من المواد الأساسية، حيث بلغت الكلفة الإجمالية المعلنة حوالي 135.6 مليار درهم.
وفي إطار قانون مالية 2026، تمت برمجة حوالي 13.77 مليار درهم لمواصلة دعم أسعار غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني من القمح اللين.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ جرى خلال سنة 2026 فتح اعتمادات إضافية بقيمة 20 مليار درهم لمواجهة تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة والتطورات الدولية، خصص منها 8 مليارات درهم لصندوق المقاصة بهدف دعم القدرة الشرائية والحفاظ على استقرار أسعار عدد من المواد والخدمات.
أرقام ضخمة تعكس حجم تدخل الدولة، لكنها في المقابل تفتح الباب أمام سؤال أكثر إلحاحاً: هل وصلت هذه المجهودات المالية فعلاً إلى جيب المواطن بالشكل الذي يشعر معه بتحسن واضح؟
زيادات في الأجور.. ولكن ماذا عن الأسعار؟
من بين أبرز الإجراءات التي ترفعها الحكومة في حصيلتها، الزيادة العامة في أجور موظفي القطاع العام، والتي بلغت 1000 درهم صافية شهرياً على مرحلتين.
كما ارتفع متوسط الأجر الشهري الصافي في القطاع العام من حوالي 8237 درهماً سنة 2021 إلى 10600 درهم سنة 2025، أي بزيادة تناهز 29 في المائة.
وفي القطاع الخاص، تم رفع الحد الأدنى للأجر في الأنشطة غير الفلاحية، كما جرى رفع الحد الأدنى للأجر في الأنشطة الفلاحية، إلى جانب مراجعة الضريبة على الدخل، وهي إجراءات تقول الحكومة إنها ساهمت في تحسين مداخيل عدد من الأسر والأجراء.
كما استفاد حوالي 325 ألف موظف وموظفة في بعض القطاعات، خصوصاً التعليم، من زيادات في الأجور تراوحت حسب الفئات والمسارات المهنية بين 1500 و5000 درهم.
لكن المشكلة التي تواجه هذه الأرقام هي أن المواطن لا يقارن راتبه الحالي براتبه قبل خمس سنوات فقط، بل يقارنه أيضاً بما كان يستطيع شراءه بذلك الراتب وهنا تصبح المعادلة أكثر تعقيد.
الدعم الاجتماعي المباشر.. ورقة أخرى في المعادلة
إلى جانب دعم الأسعار والأجور، وضعت الدولة برنامج الدعم الاجتماعي المباشر في صلب سياستها الاجتماعية.
وبحسب المعطيات الرسمية، استفادت ملايين الأسر من هذا النظام، ووصل مجموع المبالغ المصروفة لفائدة المستفيدين إلى حوالي 52 مليار درهم إلى متم يناير 2026.
ويشمل الدعم ملايين الأطفال، إضافة إلى الأرامل، والأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم 60 سنة، فضلاً عن الأسر المستفيدة من الإعانات الجزافية.
وتعتبر الحكومة أن هذا التحول يمثل انتقالاً من الدعم العام إلى دعم أكثر استهدافاً للفئات التي تحتاج إليه.
لكن حتى مع ذلك، يبقى السؤال مطروحاً: هل يكفي الدعم لتعويض الارتفاع الذي عرفته تكاليف الحياة خلال السنوات الماضية؟
المواطن يرى الأسعار قبل الأرقام
في الحياة اليومية، لا يقيس المواطن نجاح السياسة الاجتماعية بعدد المليارات التي صرفت، وإنما بما تبقى في جيبه نهاية الشهر.
فالأسرة المغربية تواجه مصاريف متزايدة مرتبطة بالسكن، والنقل، والمواد الغذائية، والتعليم، والصحة، والطاقة، وغيرها من الالتزامات.
وبالنسبة إلى الطبقة الوسطى تحديداً، أصبحت المعادلة أكثر صعوبة، لأنها توجد في منطقة لا تستفيد دائماً من مختلف أشكال الدعم، وفي الوقت نفسه تواجه ارتفاعاً مستمراً في تكاليف الحياة.
ولهذا، فإن أي حديث انتخابي عن القدرة الشرائية سيصطدم حتماً بالتجربة اليومية للمواطن.
الانتخابات.. هل تكفي الوعود مرة أخرى؟
مع بداية العد العكسي للاستحقاق التشريعي، تستعد الأحزاب لتقديم برامجها ووعودها للناخبين.
وستكون القدرة الشرائية، بلا شك، واحدة من أهم العناوين الانتخابية.
لكن الناخب المغربي أصبح أكثر حذراً تجاه الوعود.
فالوعد بخفض الأسعار يحتاج إلى إجراءات واضحة لمحاربة المضاربة والاحتكار والوسطاء غير المنتجين.
والوعد برفع الأجور يحتاج إلى ضمان ألا تلتهم الزيادات موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.
والوعد بدعم الطبقة الوسطى يحتاج إلى سياسة ضريبية واجتماعية أكثر إنصافاً.
أما الحديث عن الدولة الاجتماعية، فيحتاج إلى أن يلمس المواطن آثارها في المستشفى والمدرسة والسوق والنقل والسكن، وليس فقط في الأرقام الرسمية.
من يربح ثقة الناخب؟
المعركة الانتخابية المقبلة لن تكون فقط حول عدد الوعود، وإنما حول مصداقية هذه الوعود.
فالحكومة تستطيع أن تقول إنها أنفقت عشرات المليارات لحماية القدرة الشرائية، والمعارضة تستطيع أن تقول إن المواطن ما زال يعاني من الغلاء، وبين الخطابين يوجد المواطن الذي يعيش تفاصيل الأزمة كل يوم.
وفي النهاية، لن يحسم الناخب موقفه بناءً على رقم واحد أو شعار انتخابي واحد، بل بناءً على سؤال جوهري:
هل تحسن دخلي فعلاً؟ وهل أصبحت حياتي اليومية أقل كلفة؟
ذلك أن المواطن لا يحتاج إلى مزيد من الوعود بقدر ما يحتاج إلى نتائج ملموسة.
ومع انطلاق الحملة الانتخابية ، قد تكون القدرة الشرائية أكبر اختبار للأحزاب والحكومة معاً، لأن الناخب هذه المرة لن يسأل فقط: ماذا ستفعلون؟
بل سيعود ليسأل أيضا ماذا فعلتم عندما كنتم في موقع المسؤولية؟





