
الداودي يرد على بنكيران..
عاد ملف صندوق المقاصة ليضع عبد الإله بنكيران ولحسن الداودي في مواجهة سياسية جديدة بعد سنوات من مغادرتهما مواقع القرار، لكن هذه المرة حول سؤال يتجاوز خلاف الرجلين: هل كانت القرارات المرتبطة بمؤسسة تدير مليارات الدراهم تُتخذ بشكل مؤسساتي، أم أن موازين النفوذ داخل الحكومة كانت حاضرة في كواليسها؟
خرج الداودي عن صمته للرد على ما نسبه إليه بنكيران بشأن إعفاء سليمة بناني، المديرة السابقة لصندوق المقاصة، نافياً بشكل قاطع أن يكون قد تعرض لأي ضغط من عزيز أخنوش للمساهمة في إنهاء مهامها، وقال في تصريح إعلامي إن الحديث عن تعرضه لضغوط «مجرد افتراء»، مؤكداً أنه لم يخضع لأي ضغط خلال تجربته الحكومية.
روايتان.. وقرار واحد
شدد الداودي على أن أخنوش كان حينها وزيراً مثله، وأن سعد الدين العثماني كان رئيساً للحكومة، وبالتالي لم تكن للأول سلطة مباشرة عليه، وطالب بنكيران بسحب اتهامه، متسائلاً عن مصدر المعطيات التي بنى عليها روايته، ومؤكداً: «لا أعلم من أين أتى بكلامه».
في المقابل، أعاد بنكيران، خلال لقاء حزبي بمدينة القصر الكبير، الحديث عن ظروف مغادرة بناني لصندوق المقاصة سنة 2018، رابطاً القضية بموقف قال إن أخنوش اتخذه منها، ومتهماً الداودي بالمساعدة في إعفائها.
وبذلك، أصبحت أمام الرأي العام روايتان متعارضتان: واحدة تتحدث عن ضغط وتأثير داخل الحكومة، وأخرى تنفي ذلك بالكامل، وبين الروايتين، تظل حقيقة ما جرى مرتبطة بما يمكن أن تثبته الوثائق والمساطر الرسمية.
مليارات المقاصة تجعل الخلاف أكبر من الأشخاص
لا تتوقف أهمية القضية عند علاقة بنكيران بالداودي أو بموقف أخنوش، فصندوق المقاصة كان ولا يزال إحدى أكثر المؤسسات حساسية في السياسة الاقتصادية والاجتماعية، باعتباره مرتبطاً بدعم مواد أساسية وحماية القدرة الشرائية.
فخلال سنة 2018، تجاوزت الاعتمادات المبرمجة للمقاصة 13 مليار درهم، بينما بلغت النفقات المنفذة نحو 8.2 مليارات درهم، وهذه الأرقام تكشف حجم المسؤولية المرتبطة بتدبير المؤسسة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمال العام وأسعار مواد يستهلكها ملايين المغاربة.
لهذا، لا ينبغي أن يبقى السؤال محصوراً في: هل ضغط أخنوش على الداودي؟ بل يمتد إلى ما هو أبعد: من اتخذ قرار إنهاء مهمة بناني؟ وما مبرراته؟ وهل توجد مراسلات أو تقارير أو محاضر رسمية تكشف طبيعة المسار الذي قاد إليه؟ فحين يتعلق الأمر بمؤسسة تدير مليارات الدراهم، تصبح طريقة اتخاذ القرار جزءاً من القضية نفسها، لا مجرد تفصيل إداري.
عندما تصبح الذاكرة السياسية غير كافية
لا يكتفي الداودي بنفي الضغط، بل يرفض أيضاً أن يكون قد ظلم أي شخص خلال فترة تحمله المسؤولية، داعياً الموظفين الذين اشتغلوا معه إلى تقييم طريقة تدبيره للوزارة.
لكن بعد سنوات، لا تكفي الشهادات المتبادلة وحدها لحسم قضية بهذا الحجم، فحين يتعلق الأمر بمؤسسة تدير أموالاً عمومية وتؤثر قراراتها في القدرة الشرائية، تصبح الوثيقة أقوى من الذاكرة، والمساطر أهم من الروايات.
وبين رواية بنكيران ونفي الداودي، يعود صندوق المقاصة ليطرح السؤال السياسي القديم بصيغة أكثر إلحاحاً: «من كان يملك القرار فعلاً عندما كان القرار يعني مليارات الدراهم ومصالح ملايين المغاربة؟»





