
حين يصبح شراء انتباه الناخب معركة خارج الإعلام الوطني
قبل أن يصل الناخب المغربي إلى صندوق الاقتراع، تكون المعركة الانتخابية قد قطعت أشواطاً داخل هاتفه، فبين 31 غشت و6 شتنبر، تكشف مكتبة إعلانات «ميتا» عن إنفاق حسابات مرتبطة بالتجمع الوطني للأحرار نحو 883 ألف درهم، أي أكثر من 88 مليون سنتيم، لتمويل 254 إعلاناً على «فيسبوك» و«إنستغرام» حلال اسبوع فقط ، وفي الفترة نفسها، أنفق «الأصالة والمعاصرة» نحو 71 ألف درهم، و«الاستقلال» حوالي 58 ألفاً.
هذه الأرقام، في حد ذاتها، لا تثبت ارتكاب مخالفة، لكنها تكشف تحولاً جوهرياً: المنافسة على أصوات الناخبين أصبحت أيضاً منافسة على شراء الانتباه داخل منصات تملك البيانات والخوارزميات، بينما يجري جزء متزايد من هذا الإنفاق خارج السوق الإعلامية الوطنية.
حين يصبح الإعلان سلعة سياسية
الفارق بين الإعلان الرقمي والإشهار التقليدي ليس في الوسيلة فقط، بل في طبيعة القوة التي يمنحها للمعلن، فالمنصة لا تبيع مساحة إعلانية وحسب، وإنما تتيح استهداف شرائح محددة، اختبار رسائل متعددة، قياس التفاعل وتعديل الحملة بصورة شبه فورية.
وهنا تظهر المفارقة الاقتصادية، فبحسب معطيات رسمية، استحوذت المنصات الرقمية العالمية على أكثر من 75% من مداخيل الإعلانات الرقمية بالمغرب سنة 2020. وفي المقابل، بلغ عدد المقاولات الصحفية 554 سنة 2024، بينها 443 صحيفة إلكترونية، فيما تشغل نحو 60% من هذه المقاولات أقل من أربعة صحافيين، بما يعكس هشاشة بنيتها الاقتصادية.
المال الذي لا يصل إلى الصحافة
المسألة إذن لا تتعلق فقط بمن يدفع أكثر، بل بمن يستفيد اقتصادياً من هذا الإنفاق، فكل ميزانية إعلانية تتجه إلى منصة عالمية تعني، في جزء منها، أموالاً لا تمر عبر دورة اقتصادية إعلامية وطنية تشغل صحافيين ومصورين ومحررين وتقنيين.
وتزداد المفارقة وضوحاً حين نعلم أن الدعم العمومي للمقاولات الصحفية ارتفع من نحو 164 مليون درهم سنة 2020 إلى 325 مليوناً في 2024، بالتزامن مع تراجع مداخيل الإعلانات، وهذا يضع الدولة أمام سؤال اقتصادي وسياسي: كيف يمكن بناء إعلام وطني قادر على مراقبة الانتخابات، بينما تتجه الموارد الإعلانية التي يحتاجها للاستمرار إلى شركات رقمية عابرة للحدود؟
قانون جديد أمام اقتصاد رقمي سريع
ادخل القانون التنظيمي 53.25 تعديلات مهمة على قواعد الانتخابات، ووسّع مجال التجريم ليشمل الوسائط الرقمية، بما فيها شبكات التواصل والمنصات الإلكترونية وأدوات الذكاء الاصطناعي، كما يفرض القانون عقوبات مالية وجنائية على عدد من الأفعال التي يمكن أن تؤثر في نزاهة الاقتراع.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود النص فقط، بل في القدرة على تطبيقه داخل اقتصاد رقمي عابر للحدود فظهور إعلان ممول في مكتبة «ميتا» لا يكفي وحده لإثبات المخالفة؛ إذ يتطلب الأمر تحديد طبيعة المحتوى، وهوية الممول، ومصدر الأموال، وكيفية الأداء، وما إذا كان الإعلان يدخل قانوناً ضمن الدعاية الانتخابية المحظورة.
“المعركة” الحقيقية وراء الـ88 مليون سنتيم
تتيح«ميتا» نفسها مكتبة للإعلانات السياسية والاجتماعية تحفظ هذه الإعلانات لسبع سنوات، وهو ما يمنح الصحافيين والباحثين أداة مهمة للتتبع والمساءلة، لكن الشفافية التي توفرها المنصة لا تعوض آليات الرقابة الوطنية على المال الانتخابي.
ومع اقتراب اقتراع 23 شتنبر، يصبح السؤال الأهم أكبر من معرفة الحزب الذي أنفق أكثر: من يملك القدرة على شراء انتباه الناخب المغربي، وأين تذهب الأموال التي تُنفق من أجل الوصول إليه؟
فالـ88 مليون سنتيم ليست مجرد فاتورة إعلانية خلال أسبوع؛ إنها مؤشر على انتقال جزء من الاقتصاد السياسي للانتخابات إلى فضاء تملكه شركات عالمية، في وقت ما تزال فيه الصحافة الوطنية تبحث عن نموذج اقتصادي يضمن بقاءها وقدرتها على أداء وظيفتها الرقابية.





