الرئسيةسياسة

لماذا حرم أخنوش الموظفين من رخصة الحملة؟

مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، يفتح منشور رئيس الحكومة عزيز أخنوش بشأن تسهيلات الموظفين والأطر والأعوان المشاركين في الانتخابات باباً واسعاً للنقاش، ليس فقط حول مضمون القرار، وإنما حول الرسالة السياسية التي يحملها مقارنة بما كان معمولاً به في عهد رئيس الحكومة السابق سعد الدين العثماني.

ففي الوقت الذي كان فيه منشور العثماني لسنة 2021 واضحاً في منح الموظفين المرشحين رخصاً استثنائية للتغيب طوال مدة الحملة الانتخابية، شريطة ألا يؤثر ذلك على السير العادي للمرافق العمومية، جاء منشور أخنوش لسنة 2026 بصيغة أضيق، تركز على تمكين الراغبين في الترشح من إعداد ملفاتهم وإيداعها، ثم منح التسهيلات يوم الاقتراع.

من “حق المشاركة” إلى مجرد “تسهيلات”؟

السؤال هنا ليس تقنياً فقط.

الموظف الذي يقرر خوض الانتخابات لا يدخل معركة سياسية من مقهى أو من مكتب شركة خاصة، بل يجد نفسه أمام التزام مهني يومي، وفي الوقت نفسه أمام حملة انتخابية تتطلب التنقل واللقاءات والتواصل مع الناخبين.

ولهذا كان منشور العثماني أكثر وضوحاً عندما أقر صراحة بإمكانية التغيب طيلة مدة الحملة الانتخابية بالنسبة للموظفين المرشحين، مع الحفاظ طبعاً على شرط عدم الإخلال بالسير العادي للمرافق العمومية.

أما في منشور 2026، فقد اختفت هذه العبارة الصريحة.

والنتيجة؟

الموظف المرشح يجد نفسه أمام انتخابات تحتاج إلى التفرغ، وإدارة تحتاج إلى حضوره، وقواعد لا تمنحه بنفس الوضوح الذي كان موجوداً قبل خمس سنوات حق الاستفادة من رخصة استثنائية طوال الحملة.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل نحن أمام مجرد تغيير في الصياغة الإدارية، أم أمام تراجع فعلي في تسهيلات المشاركة السياسية للموظفين؟

لماذا كان العثماني أكثر سخاءً؟ المفارقة السياسية تستحق التوقف.

حكومة يقودها حزب العدالة والتنمية، الذي كان جزء مهم من قواعده الانتخابية والسياسية مرتبطاً بالموظفين وقطاعات التعليم والإدارة العمومية، اختارت سنة 2021 منح الموظفين المرشحين هامشاً أوسع للتحرك خلال الحملة الانتخابية.

أما اليوم، وفي ظل حكومة يقودها عزيز أخنوش، رجل الأعمال ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، فقد أصبح النص أكثر تحفظاً في منح هذا الامتياز.

وهنا قد يطرح البعض سؤالاً سياسياً لا إدارياً هل تعكس القرارات الحكومية أحياناً طبيعة البيئة الاجتماعية والسياسية التي تأتي منها الأحزاب؟

من غير المنصف طبعاً الجزم بأن خلفية رئيس الحكومة أو طبيعة محيطه الاقتصادي هي السبب المباشر وراء هذا التغيير، فلا توجد في المنشور نفسه قرينة تثبت ذلك.

لكن المقارنة تظل مشروعة سياسياً:
لماذا كان الموظف المرشح سنة 2021 يستفيد صراحة من رخصة طوال الحملة، بينما لا يجد الموظف المرشح سنة 2026 النص نفسه أمامه؟

موظف يريد خوض الانتخابات.. فهل يعاقب على ذلك؟

الموظف الذي يقرر الترشح لا ينبغي أن يشعر بأنه يخوض معركة انتخابية بيد مربوطة إلى الخلف.

فإذا كانت الدولة تشجع المواطنين على المشاركة السياسية، وإذا كان الدستور يضمن حق المشاركة في الحياة السياسية، فمن الطبيعي أن تكون الإدارة فضاءً محايداً لا يتحول إلى عائق أمام الموظف الذي قرر دخول المنافسة الانتخابية.

والأخطر أن تضييق التسهيلات قد تكون له نتيجة غير مباشرة: ترجيح كفة من يملكون الوقت والمال والقدرة على التفرغ للحملة على حساب الموظفين الذين لا يملكون سوى أجورهم ووقتهم المهني وهنا تصبح المسألة أكبر من رخصة إدارية.

“إنها مسألة تكافؤ الفرص في المنافسة السياسية.”

هل الانتخابات للأغنياء وأصحاب الوقت؟

إذا كان رجل الأعمال يستطيع تنظيم وقته، وتكليف مساعديه بإدارة مصالحه، والتفرغ للقاءات الانتخابية، فإن الموظف العمومي لا يملك دائماً هذه الرفاهية.

المعلم، والإداري، والموظف الجماعي، والموظف في مختلف القطاعات العمومية، قد يجد نفسه مطالباً بالعمل صباحاً، ثم بالقيام بحملة انتخابية مساءً، في سباق انتخابي لا يرحم.

فهل نريد انتخابات مفتوحة أمام الجميع، أم انتخابات تصبح فيها المشاركة السياسية أسهل لمن يملك المال والوقت وشبكة العلاقات؟

هذه هي النقطة التي يجب أن تطرح بوضوح.

والأغرب أن التبرير الديمقراطي حاضر!

في منشور 2021، ربط العثماني هذه التسهيلات بفكرة توفير الظروف المواتية والمتكافئة للمشاركة في الانتخابات، مع التأكيد على أهمية الانتخابات في المسار الديمقراطي.
أما اليوم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على الحكومة هو إذا كانت تكافؤ الفرص هدفاً ديمقراطياً، فلماذا اختفى الامتياز الأكثر وضوحاً للموظفين المرشحين من منشور 2026؟

لا يتعلق الأمر بالمطالبة بامتياز مجاني أو بفتح أبواب الغياب دون ضوابط؛ فمنشور العثماني نفسه كان يربط الرخصة بعدم الإخلال بالسير العادي للمرافق العمومية.

المطلوب فقط هو تفسير واضح ومنطقي لهذا التراجع.

هل تغيرت النظرة إلى الموظف؟

ربما يكون التفسير بسيطا الحكومة الحالية اختارت صياغة أكثر عمومية، وتركت للإدارات هامش تقدير أكبر.

لكن في السياسة، الصياغة ليست تفصيلاً صغيراً.

عندما تقول للحكومة والإدارة: “امنحوا رخصة استثنائية طوال الحملة”، فأنت تضع قاعدة واضحة.

وعندما تستبدل ذلك بعبارة “التسهيلات اللازمة”، فأنت تترك مساحة واسعة للتأويل والاجتهاد وهذا تحديداً ما يثير التخوف لدى الموظفين المرشحين.

السؤال الذي يستحق جواباً من أخنوش

ليس المطلوب من رئيس الحكومة أن يبرر خلفيته كرجل أعمال، ولا أن يُحاسب على طبيعة محيطه السياسي والاقتصادي.

لكن المطلوب منه أن يجيب عن سؤال بسيط لماذا كان الموظف المرشح سنة 2021 يستفيد صراحة من رخصة استثنائية طوال الحملة الانتخابية، بينما اكتفى منشور حكومته سنة 2026 بتسهيلات أكثر عمومية؟

هل السبب هو الحرص على استمرارية المرافق العمومية؟

إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم يعتمد المنشور صيغة العثماني نفسها: الرخصة مع شرط عدم الإخلال بالسير العادي للمرافق؟

وهل هناك تقييم أثبت أن تلك الرخص أضرت بالإدارة؟

وإذا لم يكن هناك مثل هذا التقييم، فما الذي تغير؟

الديمقراطية لا ينبغي أن تكون امتيازاً لمن يملك الوقت والمال

في النهاية، الانتخابات ليست مهرجاناً للشعارات ولا مسابقة بين أصحاب الإمكانيات.

الانتخابات الحقيقية هي التي يستطيع فيها الموظف، والأستاذ، والعامل، والمهني، ورجل الأعمال، والشاب، والمرأة، وكل مواطن تتوفر فيه شروط الترشح، أن يدخل المنافسة بفرص متقاربة.

أما إذا أصبح الموظف مطالباً بأن يختار بين وظيفته وحملته الانتخابية، بينما يستطيع آخرون التفرغ بسهولة، فإن الحديث عن تكافؤ الفرص يصبح مجرد شعار جميل على الورق.

ولذلك، فإن منشور أخنوش لا ينبغي أن يمر كوثيقة إدارية عابرة إنه قرار يمس العلاقة بين الإدارة والانتخابات والديمقراطية.

والسؤال الأكثر إزعاجاً ربما هو هل تراجعت الحكومة عن منطق “تسهيل مشاركة الموظفين”لصالح منطق “لا تعطلوا الإدارة”، حتى لو كان الثمن أن يصبح الترشح أكثر صعوبة بالنسبة إلى الموظف؟

هذا سؤال سياسي مشروع، ويستحق جواباً واضحاً من الحكومة، بعيداً عن لغة البلاغات والعبارات الفضفاضة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى