
مع انطلاق الحملة الانتخابية، بدأت شوارع وأحياء عدد من المدن المغربية تستعيد مشهداً أصبح مألوفاً مع كل استحقاق انتخابي: صور المرشحين، منشورات الأحزاب، البرامج الانتخابية والملصقات تنتشر في كل مكان، قبل أن يتحول جزء منها سريعا إلى نفايات متناثرة في الشوارع والأرصفة.
وبينما تتنافس الأحزاب والمرشحون على كسب أصوات المواطنين من خلال الوعود والبرامج والشعارات، يطرح المشهد سؤالاً بسيطاً لكنه دال: كيف يمكن لمن يَعِد بتدبير المدن وتحسين محيط المواطنين أن يعجز عن تدبير مخلفات حملته الانتخابية؟
وعود كبيرة.. وسلوك صغير يكشف الكثير
الحملة الانتخابية يفترض أن تكون مناسبة لتقديم الأفكار والبرامج والتنافس حول حلول واقعية لمشاكل المواطنين، لكنها في بعض المناطق تتحول إلى سباق في توزيع المنشورات وتعليق الصور، دون أن ترافق ذلك مسؤولية واضحة تجاه البيئة والمجال العام.
الأوراق التي توزع في الشوارع لا تبقى دائماً في أيدي المواطنين، بل ينتهي جزء منها على الأرض، لتتحول الأرصفة إلى مساحة مفتوحة للمنشورات الانتخابية المهملة.
والأمر لا يتعلق فقط بالنفايات التي يخلفها المرشحون أو أنصارهم، بل أيضاً بمدى قدرة الأحزاب على توعية مناصريها والمواطنين بأن الحملة الانتخابية لا تعني التخلي عن أبسط قواعد احترام الفضاء العام.
من سيُنظف ما تتركه الحملات؟
المفارقة أن حملات انتخابية ترفع شعارات حول تحسين جودة الحياة، وتدبير المدن، وحماية البيئة، ومحاربة مظاهر الفوضى، قد تساهم هي نفسها في إنتاج مزيد من الفوضى البصرية والنفايات.
فمن يتحمل مسؤولية جمع هذه المنشورات بعد انتهاء التجمعات واللقاءات؟ وهل توجد لدى الأحزاب واللوائح الانتخابية آليات واضحة لتنظيف الأماكن التي استُعملت في حملاتها؟
المواطن الذي يؤدي الضرائب وينتظر خدمات نظافة أفضل يجد نفسه أحياناً أمام مشهد يناقض تماماً الخطاب الانتخابي وعود بالنظافة والتنمية من جهة، وأوراق انتخابية متناثرة في الشوارع من جهة أخرى.
الانتخابات ليست رخصة لتلويث الشوارع
المنافسة الانتخابية حق، والتواصل مع المواطنين حق، وتوزيع البرامج والمنشورات جزء من العمل السياسي، لكن هذه الحقوق يفترض أن ترافقها مسؤولية واحترام للفضاء المشترك.
فإذا كان الحزب أو المرشح يطلب من المواطن أن يمنحه صوته لتدبير الشأن العام، فمن المنطقي أن يبدأ بإظهار قدرته على احترام هذا الشأن العام في أبسط تفاصيله.
كما أن توعية المواطنين بعدم رمي المنشورات في الشوارع يمكن أن تكون في حد ذاتها رسالة انتخابية أكثر تأثيراً من عشرات الشعارات. فالحزب الذي يقول للمواطن: “اقرأ برنامجي، ثم ضع الورقة في مكانها الصحيح”، يقدم نموذجاً مختلفاً في ممارسة السياسة.
المواطن يريد أفعالاً لا شعارات
مع كل موسم انتخابي، تمتلئ الساحات والشوارع بالوعود، لكن المواطن أصبح أكثر اهتماماً بما يمكن أن يلمسه على أرض الواقع.
النظافة، النقل، الصحة، التعليم، فرص الشغل، الأسعار، السكن والخدمات العمومية ملفات لا تُحل بالصور واللافتات، وإنما بالتدبير والعمل والمحاسبة.
ولهذا، فإن صورة ورقة انتخابية ملقاة على الأرض قد تبدو تفصيلاً بسيطاً، لكنها تحمل دلالة أكبر: السياسة تبدأ من السلوك اليومي، ومن احترام المدينة والمواطن والفضاء الذي يجمع الجميع.
وفي نهاية المطاف، قد يكون أول اختبار حقيقي لبعض الأحزاب والمرشحين خلال هذه الحملة ليس عدد المنشورات التي وزعوها، ولا عدد الصور التي علقوها، وإنما السؤال الأكثر بساطة هل سيعودون لتنظيف ما تركوه وراءهم؟





