
حين تصير الانتخابات صراعا داخل السلطة
نحن اليوم في بداية الحملة الانتخابية، وفي الوقت الذي يفترض أن تتجه فيه الأنظار إلى المواطن، وإلى ما يريده من بلده ومستقبله، وإلى البرامج التي يمكن أن تقنعه بأن صناديق الاقتراع ما تزال قادرة على تغيير شيء في حياته، يُراد للأنظار أن تتجه إلى مكان آخر: إلى الصراع بين قطبين من أقطاب الحكومة، عزيز أخنوش وفوزي لقجع.
المغرب اليوم ليس في حاجة إلى معركة انتخابية تُدار بمنطق الأشخاص
وقد يتصور البعض أن هذا الصراع قادر على تنشيط الحملة الانتخابية، وإثارة اهتمام المغاربة، ودفعهم إلى المشاركة، باعتباره سجالا بين شخصيتين نافذتين داخل معسكر حكومي واحد.
لكن إذا صح أن الرهان على مثل هذا الصراع هو ما سيمنح الانتخابات بعض الحيوية، فنحن أمام سؤال أكبر وأخطر: أي ممارسة سياسية هذه التي تحتاج إلى صراع داخل السلطة حتى تستعيد الانتخابات بعضا من جاذبيتها؟
ذلك أن المغرب اليوم ليس في حاجة إلى معركة انتخابية تُدار بمنطق الأشخاص، ولا إلى سجال بين مراكز النفوذ داخل الحكومة، ولا إلى تبادل الرسائل والاتهامات حول من يملك القرار ومن يملك النفوذ. المغرب والمغاربة في حاجة إلى شيء أعمق بكثير: مغرب مختلف عن مغرب اليوم.
مغرب مختلف اجتماعيا واقتصاديا، ومختلف في علاقته بالسياسة والمؤسسات، وفي فرص العيش الكريم، وفي التعليم والصحة والشغل والعدالة، وفي معنى المواطنة نفسها.
وهذا ليس انطباعا عابرا أو مزاجا انتخابيا؛ إنه شعور يتسع لدى قطاعات واسعة من المغاربة بأن ما هو قائم لم يعد يجيب بما يكفي عن انتظاراتهم وطموحاتهم.
ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية للانتخابات
فالمواطن لا يحتاج إلى من يقنعه بالذهاب إلى صندوق الاقتراع عبر الفرجة السياسية، ولا إلى صراع بين هذا المسؤول وذاك، وإنما يحتاج إلى أن يشعر، بجدية وصدق، بأن صوته قادر فعلا على إحداث الفرق، وأن الانتخابات ليست مجرد محطة لإعادة إنتاج التوازنات نفسها، أو لتوزيع المواقع نفسها، أو لتجديد شرعية سياسية لا يملك المواطن بعدها إلا أن ينتظر خمس سنوات أخرى.
الانتخابات لا تستعيد معناها بالدعاية للمشاركة، وإنما بإعادة السياسة إلى المواطن.
وحتى تستقيم قواعد الممارسة السياسية، لا بد أن يشعر المغاربة بأنهم مواطنات ومواطنون أحرار وسادة في تدبير وطنهم، وأن السلطة السياسية لا تُمنح من فوق، ولا تُختزل في التعيين، ولا تُحسم داخل دوائر النفوذ، وإنما تنبثق من الإرادة الشعبية المعبر عنها عبر الانتخاب.
وهنا يكمن جوهر المسألة: سيادة سلطة الانتخاب على سلطة التعيين.
فالبرلمان الذي ينتجه الاقتراع الشعبي يجب ألا يكون مجرد مؤسسة تشريعية في هامش القرار، بل يجب أن يكون مركزاً حقيقيا للسلطة السياسية. والحكومة يجب أن تكون منبثقة فعليا عن الأغلبية البرلمانية التي أفرزها الناخبون، ومسؤولة أمامها وأمام المواطنين.
وباقي المؤسسات والسلطات ذات الطابع السياسي يجب أن تجد مشروعيتها في منطق الاختيار الديمقراطي، لا في منطق التعيين الذي يسبق الانتخاب أو يتجاوزه.
ذلك هو المعنى الحقيقي للانتقال من سلطة التعيين إلى سلطة الانتخاب
أما أن تتحول الحملة الانتخابية إلى ساحة لتصفية الحسابات أو لتبادل الرسائل بين أقطاب داخل الحكومة، ثم يُطلب من المواطن أن يعتبر ذلك دليلاً على حيوية السياسة، فهذه ليست حيوية سياسية، بل تعبير عن أزمة أعمق في تصور السياسة نفسها.
المغاربة لا ينتظرون من يتصارع داخل الحكومة على من يكون أقوى من الآخر.
إنهم ينتظرون سياسة تجعلهم هم الأقوى.
ولا يريدون أن يكونوا جمهوراً لصراع بين مراكز النفوذ، بل أصحاب القرار في تحديد اتجاه وطنهم.
فالانتخابات التي لا تجعل المواطن صاحب السيادة على القرار السياسي، تظل مجرد موعد انتخابي. أما الانتخابات التي تجعل سلطة الانتخاب هي مصدر السلطة السياسية، فهي وحدها القادرة على إعادة السياسة إلى المجتمع، وإعادة الثقة إلى المؤسسات، وفتح الطريق نحو مغرب مختلف.





