
لم يكن توقيت مصادقة البرلمان الإسباني على مشروع قانون يفتح طريقا خاصا أمام الصحراويين للحصول على الجنسية الإسبانية عاديا.
فالنص، الذي حظي الخميس بـ168 صوتا مقابل 31 و147 امتناعا، يأتي في لحظة تعيش فيها العلاقات المغربية الإسبانية واحدة من أكثر مراحلها حساسية، بعد أزمة الهجرة الجماعية إلى سبتة، وما رافقها من تبادل للاتهامات بين الرباط ومدريد، وتصاعد النقاش الإسباني حول أمن الحدود والتعاون المغربي في مواجهة الهجرة غير النظامية.
وبذلك، فإن القضية لا تتعلق فقط بمسار قانوني للحصول على الجنسية، وإنما تعيد، في توقيت شديد الحساسية، فتح صفحة تاريخية وسياسية مرتبطة بوجود إسبانيا في الصحراء.
قانون وسط أزمة سبتة
تزداد حساسية الخطوة لأنها تأتي بعد أسابيع فقط من أزمة غير مسبوقة في سبتة، بعدما عبر أكثر من 70 ألف مهاجر إلى المدينة خلال موجة جماعية للهجرة، وهو ما تسبب في أزمة سياسية وإنسانية وأعاد الهجرة والحدود إلى صدارة الخلافات بين المغرب وإسبانيا.
وقد تصاعدت حدة السجال في الأيام الأخيرة، خصوصا بعد نشر وثائق استخباراتية إسبانية تتعلق بالتحذيرات التي سبقت موجة العبور، بينما رفضت الرباط الاتهامات الموجهة إليها وحذرت من تحويل المغرب إلى طرف تتحمل عليه المسؤولية عن الأزمة الداخلية الإسبانية.
وفي هذا المناخ تحديدا، يأتي قانون الجنسية للصحراويين ليضيف ملفا جديدا إلى علاقة أصبحت ملفاتها مترابطة بشكل متزايد: الصحراء، سبتة، الهجرة، الحدود، والتعاون الأمني.
الماضي الاستعماري يعود إلى البرلمان
يقوم المشروع على فكرة قانونية محددة: منح مسار استثنائي للحصول على الجنسية الإسبانية للأشخاص المولودين في الصحراء قبل 29 سبتمبر 1977، أي خلال الفترة التي كانت فيها المنطقة خاضعة للإدارة الإسبانية.
ولا يتعلق الأمر بمنح جماعي وآلي للجنسية، بل بإمكانية التقدم بطلبات فردية وفق شروط وإجراءات وإثباتات يحددها القانون.
لكن الرمزية السياسية للنص تتجاوز مسألة الجنسية نفسها، لأنه يعيد تعريف علاقة قانونية خاصة بين إسبانيا وأشخاص ولدوا في منطقة كانت، في مرحلة سابقة، تحت الإدارة الإسبانية.
الجنسية ليست تلقائية
ويشترط المسار الجديد تقديم طلب فردي وإثبات استيفاء الشروط المطلوبة، مع توسيع نطاق الوثائق التي يمكن اعتمادها لإثبات الولادة في الصحراء خلال الفترة المعنية.
ويمكن أن تشمل الإثباتات وثائق إسبانية رسمية، إلى جانب مستندات إدارية ومدرسية وطبية وغيرها، بما يسمح بإثبات الصلة المطلوبة بالحالة القانونية التي يستهدفها المشروع.
كما يتيح النص، وفق الشروط والآجال المحددة، استفادة فروع المستفيدين الأصليين من المسار نفسه.
سنتان للإقامة
ولا يتوقف المشروع عند المولودين في الصحراء قبل التاريخ المحدد، إذ يتضمن أيضا مقتضى يتعلق بتقليص مدة الإقامة القانونية اللازمة للحصول على الجنسية الإسبانية بالنسبة إلى الصحراويين عن طريق الإقامة.
وتصبح المدة المقترحة سنتين، بدل المدة العامة المطبقة في حالات التجنيس العادية.
كما يفتح النص الباب أمام أبناء الأشخاص الذين يحصلون على الجنسية بموجب هذه المقتضيات للتقدم بطلباتهم ضمن آجال وشروط محددة.
اشتباك داخل البرلمان
مسار المشروع نفسه يعكس حجم الحساسية السياسية المحيطة به.
فالمبادرة واجهت في مراحل سابقة مقاومة من الحزب الاشتراكي، قبل أن يتحول موقفه لاحقا إلى دعم الصيغة التي وصلت إلى التصويت النهائي.
أما الحزب الشعبي فاختار الامتناع، بينما كان حزب “فوكس” القوة البرلمانية الأبرز التي صوتت ضد النص، في حين دعمت أحزاب يسارية وقوى سياسية أخرى المشروع باعتباره معالجة لوضعية مرتبطة بالإرث الاستعماري الإسباني.
الرباط ومدريد.. شراكة تحت الضغط
المفارقة السياسية أن هذا التطور يأتي في وقت تحاول فيه الرباط ومدريد الحفاظ على شراكة استراتيجية في ملفات الاقتصاد والأمن والهجرة، بينما تكشف أزمة سبتة أن هذه الشراكة لا تلغي وجود ملفات شديدة الحساسية قابلة للانفجار في أي لحظة.
فأزمة الهجرة الأخيرة لم تكن مجرد حدث حدودي عابر، بل تحولت إلى قضية سياسية داخل إسبانيا، مع تبادل الاتهامات بشأن مسؤولية المغرب وطريقة تدبير الحدود، في وقت أكدت فيه الرباط رفضها لتحميلها مسؤولية الأزمة.
ومن هنا، يصعب تجاهل أن المصادقة على قانون الجنسية للصحراويين تأتي في لحظة تعاني فيها العلاقة الثنائية من اختبار جديد عنوانه هذه المرة: من يملك أوراق الضغط على الحدود؟
هل تغير مدريد موقفها من الصحراء؟
من الناحية القانونية المباشرة، لا يتضمن النص اعترافا بوضع سياسي جديد للصحراء، ولا يشكل، بحد ذاته، تعديلا رسميا للموقف الإسباني من النزاع.
وهذه نقطة أساسية ينبغي عدم تجاوزها.
لكن في المقابل، فإن تخصيص مسار قانوني لفئة مرتبطة بمنطقة كانت تحت الإدارة الإسبانية يعيد إلى الواجهة مسألة الإرث القانوني لتلك المرحلة، ويمنح الملف بعدا سياسيا يتجاوز مجرد تسوية وضعية جنسية.
وهنا تحديدا تبدأ الأسئلة التي تتجاوز نص القانون: لماذا الآن؟ ولماذا في هذه اللحظة بالذات؟
سبتة والهجرة والصحراء.. مثلث التوتر
الجواب لا يمكن أن يكون قانونيا فقط.
فالمصادقة تأتي في وقت تتقاطع فيه ثلاثة ملفات شديدة الحساسية بين البلدين: الصحراء، سبتة، والهجرة غير النظامية.
وإذا كانت مدريد تحاول الفصل قانونيا بين الجنسية وبين النزاع حول الصحراء، فإن السياسة لا تعمل دائما بهذه الحدود الصارمة.
فقانون الجنسية يعيد إلى النقاش علاقة إسبانيا التاريخية بالصحراء، بينما تعيد أزمة سبتة رسم حدود التوتر بين البلدين، وتضع الهجرة مرة أخرى في قلب العلاقة الثنائية.
قانون محدود.. ودلالة أكبر
قد يكون عدد المستفيدين من القانون محدودا مقارنة بحجم الملفات التي تحكم العلاقات المغربية الإسبانية، وقد لا يغير النص، من الناحية القانونية المباشرة، شيئا في الوضع السياسي للصحراء.
لكن دلالة الخطوة لا تقاس فقط بعدد المستفيدين.
ففي السياسة، التوقيت جزء من الرسالة.
وأن تعود إسبانيا، في خضم أزمة جديدة حول سبتة والهجرة والحدود، إلى فتح ملف قانوني مرتبط بسكان الصحراء الذين ولدوا خلال فترة إدارتها للمنطقة، يجعل السؤال السياسي مشروعا حول ما إذا كانت مدريد تفتح مجرد مسار للجنسية، أم أنها تعيد، ولو من نافذة قانونية ضيقة، ترتيب علاقتها بإرث مرحلة استعمارية لم تغلق كل ملفاتها بعد.
والأهم أن القانون لم يصل بعد إلى نهاية المسار التشريعي، ما يعني أن النقاش السياسي حوله، داخل إسبانيا وخارجها، مرشح للاستمرار.
في الظاهر، قانون جنسية. وفي الخلفية، صراع أوسع على التاريخ والحدود والنفوذ.





